أهلا و سهلا بكم على موقع الطريقة الرحمانية الخلواتية القسنطينبة

المنتدىالمكتبةصوة و صورةالبوم الصورالرئيسية

 

 

كتاب غنية المريد

 

بسم الله الرحمان الرحيم 

 

وصلى  الله على سيدنا و مولانا محمد و على آله و صحبه و سلم

 

         Iهذا الكتاب المبارك للعلامة سيدي عبد الرحمان باش تارزي الذي يتمثل في شرح نظم مسائل كلمة التوحيد

 وهو فريد من نوعه فنتمنى أن يفيد الجميع

 

قال عبد الرحمان و هو المذنب              يرجو رضاء من اليه المهرب

الحمد     لله   الذي     أورثنا          كتابه       و حصنه    أدخلنا

ثم   الصلاة     و السلام  أبدا              على   النبي   الهاشمي  أحمدا

و آ له    و صحبه      الكرام              ما   ذكر   الله   على    الدوام

و بعد   ان    سألت   يا   أواه              عن   علم   لا   الاه   الا  الله

فهاك    مفصلا    جاء    على              مثال   خمس  و  أربعين سؤلا

معناها  شرط   أدب    اعرابها              تلاوة   ما   فضلها   تكرارها

أقسام   مد   حرفه   ما    حده               و   هل يجوز  تركه ما قصده

و هل   يجوز ابدال  الهمز  بيا               تلاوة    ذكرا   كمد   الا   بيا

و هل فيهما تسكين الهاء من اله               و هل تأويل  خبر في ذكر الله

و هل من  غير نية  عنه  يثاب               وما هو التأويل يا أولي الألباب

و ما  هو  الأفضل للذاكر   من               هيللة   أو   مفرد   له    زكن

و هل  حروفه   مفسرا   تكون               و هل   آخره   محركا   يكون

و ما  هو  التحريك من  اشكال               و كم  له  من  أحرف  يا  تال

و هل  يجوز مد همز   قبل لام               وهل يجوز حذف ها وي بعد لام

و ما هو   الأفضل في  الاكثار               ذكر  صلا   تعلم    أو    قاري

هل اكتساب مع لزوم الواجبات                و ما هو الترتيب  في الأفضليات

و هل ما بعد مغرب و فجر سن               احياؤه  و أي     فيهما    حسن

و ما هو الأفضل  سرا أو علن                و هل في   مسجد  جماعة  علن

أذكر  أم   فكر   وعد   أفضل                و هل  بقدره   الثواب   يحصل

و هل   ملائكة    سرا   تكتب                و أي   حال   فيه  قطعا  يندب

ما    أفضل   ذكر   أم   جهاد                و ما    توحيد     واحد     يفيد

و ما   اذكر    ربك   اذا نسيت               حمدلة        هيللة       فضلت

ما  أفضل   تسبيحكم   تحميدكم                و ما  معناه   اذكروني   أذكركم

فهذه     خمس    مع    أربعين                مسئلة     قد    وردت     يقين

في  عام غوع نظمتها سنة  شر                 حي   رجاء   نفع   أمة   البشير

و   الحمد    لله    على   التمام                 ثم      صلاته    على   التهامي

و آله   و     صحبه     الأخيار                ما    حنت     الاطيار   للأوكار

 

ـــــ(  كتاب غنية  المريد )ـــ

 ـــ(  في  شرح   نظم  مسائل  كلمتي  التوحيد  )ـــ

تأليف العالم العامل الناسك الكامل ذو الفيوض الربانية ناشر

الطريقة الرحمانية الشيخ سيدي عبد الرحمان بن أحمد بن حموده

ابن مامش المعروف بباش تارزي الجزائري منشأ

القسنطيني دارا صاحب التآليف المفيدة و الرسائل

المجيدة ناظم الرحمانية المشروحة بقلم ابنه الشيخ

مصطفى توفي في حدود عام 1221  و دفن

بقسنطينة وهو تلميذ سيدي محمد بن

عبد الرحمان الشهير دفين الجزائر

طيب الله ثراهما و أسكنهما

فسيح جنانه

آمين

 

( حقوق الطبع محفوظة لآل باش تارزي القسنطيني )

 

ــــــــــــــ 

طبع بالمطبعة الرسمية العربية بتونس

 

سنة 1322 ــ 1904

 

  

بسم الله الرحمان الرحيم

و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد

و على آله و صحبه و سلم

 

 

الحمد لله و كفى و سلام على عباده الذين اصطفى وبعد , فلما رأيت كثرت الاخوان منشغلين بذكرلا اله الا الله , ولم يتعرضوا لمعرفة معناها و لا لكيفية النطق بها , و كذلك اسم الجلالة , وهو الله تعالى , و كثر الاعتراض عليهم ، و نسبة الجهل اليهم , فطلب مني بعض أفاضلهم أن ألخص لهم كلام في ذلك , ليكون  لهم عدة عند كل شدة , و ان كنت لست اهلا لذلك المقام , فعلى الله اعتمادي في البدء و الختام . فاوقع الله تعالى بيدي سؤالا ورد في سنة ست و سبعين و تسعمائة فيما يتعلق بالاسمين المذكورين , أعني لا اله الا الله و الله تعالى , من بعض فضلاء الوقت المذكور لبعض الأكابر من العلماء العاملين الجامعين بين الشريعة و الحقيقة , فنظمته على سبيل الأختصار ليكون سهلا للحفظ و الاحتضار , واقتصرت على ما اجاب به الامام الفاضل العالم العلامة الحبر الفهامة , المحقق المدقق , الجامع بين العلمين و المتوسط بين الطريقين , سيدي محمد زين الدين المغربي الشاذلي , سبط العارف بالله تعالى , علي بن خليل المرصفي الشافعي الأشعري , برد الله ثراه وجعل بحبوحة جنته مأواه , مع زيادة تناسب المقام و ما يفتح الله به عند المرام و على الله الاتكال و اليه المرجع في الحال والمآل , وسميته " غنيت المريد " في              شرح نظم كلمتي التوحيد , و هذا أوان الشروع في المراد بعون الرؤوف الجواد.

ولما  كان أحق كلام يرسم في الصحائف , وأول مقال تكرره الألسنة و تقرره المعارف , ذكر واجب الوجود و مفيض الفضل والجود , فليكن أول كل ذي خطر وشأن , و طراز كتب العلم في كل أوان "بسم الله الرحمان الرحيم" لما فيها من أبلغ الثناء , وكيف لا وهي مفتاح أشرف الكتب السماوية , ومصباح بصائر أهل المعارف الربانية , لاشتمالها على علوم الأولين و الآخرين , لجمعها معاني الفاتحة الجامعة لمعاني القرآن العظيم , الجامع لمعاني الكتب الالاهية أجمعين . فالابتداء بها مكمل محقق , و عدمه منقص بخبر الصادق المصدق . قال عليه السلام : " كل أمر ذي بال لا يبتدء فيه ببسم الله الرحمان الرحيم فهو أقطع " , رواه ابن حبان وغيره . و أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعا , أنه " أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ , بسم الله الرحمان الرحيم ". وأخرج الطبراني عن ابن عمر مرفوعا , "ان أول ما ألقي علي من الوحي بسم الله الرحمان الرحيم ". ومن ثم كان المصطفى صلى الله عليه و سلم يصدر بها كتبه الى الآفاق , كما في الصحيحين و غيرهما .

و سئل صلى الله عليه وسلم عن "بسم الله الرحمان الرحيم " , فقال : " هو اسم من أسماء الله تعالى , وما بينه وبين اسمه الأكبر الا كما بين سواد العين وبياضها من القرب " , رواه الحاكم في مستدركه .

و في تفسير ابن مردويه , عن جابر بن عبد الله , أنه لما نزلت البسملة , هرب الغيم الى المشرق وسكنت الرياح وهاج البحر وأصغت البهائم بآذانها , ورجمت الشياطين و حلف الله تعالى بعزته و جلاله أن لا يسمى اسمه تعالى على شيء الا بارك فيه . و في تفسير الامام المجتهد محمد ابن جرير عن أبي سعيد الخدري , أنه صلى الله عليه وسلم قال أن عيسى ابن مريم أسلمته أمه الى الكتاب لتعلمه , فقال له المعلم اكتب "بسم الله الرحمان الرحيم ", فقال له عيسى عليه السلام : " وما بسم الله الرحمان الرحيم " , فقال له المعلم : " لا أدري " , فقال عيسى عليه السلام : " الباء بهاء الله تعالى و السين سنائه و الميم مملكته , و الله تعالى الاه الآلهة و الرحمان رحمان الدنيا و الآخرة  و الرحيم رحيم الآخرة " , (غريب) . قال ابن كثير , و قد يكون صحيحا مرفوعا أو من الاسرائليات, وفيه  أيضا بسند فيه انقطاع عن ابن عباس , الله تعالى ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين , والرحمان فعلان من الرحمة , و الرحيم الرفيق بمن أحب ان يرحمه , و البعيد الشديد على من أحب ان يضاعف عليه العذاب . وروى ابن أبي حاتم عن جابرابن زيد أن "الله تعالى" هو الاسم الأعظم . وروى البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى "هل تعلم له سميا " , قال لا أحد تسمى بالله قط , و نقل ابن جرير عن الحسن , الرحمان اسم ممنوع أي لا يمكن أن يتسمى به . و أما قولهم " لا زلت رحمان " فأجيب عليه .

وروى ابن حاتم عن الحسن , الرحيم اسم لا يستطيع الناس أن يتحلوه , تسمى به تبارك و تعالى .

و عن ابن مسعود , من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر, فليقرأ "بسم الله الرحمان الرحيم " , أي يواظب قرائتها , فيجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة , من كل واحد منهم , فانهم يقولونها في كل أفعالهم , فيها قوتهم وبها استطاعوا , و ذلك موافق لعدد حروفها الرسمية , واعلم أن الاتيان بالبسملة حمد تام كامل و وذكر مرفوع شامل , لاشتمالها على اسم الله الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى . فانه دال على الذات المقدسة المتصفة بالألوهية , التي من اتصف بها وجب له الكمال الحقيقي المطلق , موصوفا بالاسم "الرحمان " المختص به تعالى . فانه ذو الرحمة الحقيقية التي وسعت كل شيء بما لها من الاحاطة و الشمول , ولذلك سبقت رحمته غضبه . و"بالرحيم " , الدال على تخصيصها بالذين يتقون و يؤتون الزكاة , والذين هم بآياته و رسله يؤمنون , حتى كان ورودهم على دار الجحيم عبورا الى دار النعيم اظهارا لكمال تحققهم بنور الايمان بالآيات المكتوبة في قلوبهم , باتباع الرسول النبي الأمي , و ذلك هو أثر الرحيمية الذي يظهر في الآخرة , حيث تقول النار جزني يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي . و يدل على أن رحمة الاختصاص المكتوبة للمؤمنين هي الرحمة الواسعة , قوله تعالى :"ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ",أي أثبتها أو أوجبها ,فهو سبحانه و تعالى , رحمان الدنيا و الآخرة ورحيمهما , كما ورد في رواية . فانه تعالى خص المؤمن في الدنيا بالاسلام والايمان , و في الآخرة بالفضل والامتنان , أو قل رحيمهما, كما ورد في رواية , لتوقف تحقق الاختصاص بالرحمة في الدنيا على ما يكون في عاقبة الأمر فيها , أي الآخرة , وبما تقرر, استبان وجه تقديم الرحمان على الرحيم , فانه اسم للذات الالاهية من حيث اتصافها بصفات الرحمة التي وسعت كل شيء , وهي من أخص أوصافه تعالى , فلا يصح اتصاف غيره بها , ولذلك أجري مجرى العلم كالأسم الأعظم . قال تعالى :"قل ادعوا الله او ادعواالرحمان ", فامتنع اطلاقه على غيره , لماأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها . هذا , وان الأمور النفسانية اذا وصف الحق بشيء منها , حمل على غايته التي هي فعل دون بدايته التي هي انفعال , وغاية الرحمة افاضة النعمة , فيحصل عليها في جانبه تقدس دون الشفقة والحنان والرأفة التي هي مبدأها و قيد المنعم في تفسير الرحمان بالحقيقي , لوجوبها له تعالى من ذاته أو اقتداره على كل نعمة دون غيره , ولذلك لم يتسم به لفظا عربيا معرفا غيره .فاندفع النقض بمجيبه في كتاب سليمان عليه السلام الى بلقيس, لأن التعريف هناك واقع على المعنى , لا من حيث هذه اللفظة العربية , كما ذكره بعض المحققين من أهل الله , وذلك أن التسمية في ذلك المحل , أي في سورة النمل , جائت على جهة الترجمة على ما في ذلك الكتاب , لأنه لم يكن عربيا , كيف و التسمية بهذه الألفاظ على هذا الترتيب خص الله تعالى بها النبي الأمي و أمته , وكذا اندفع به التعقب بما جاء مضافا كرحمان اليمامة وهو تعنت كفري جاهلي , و حق العلم و ما كان أعرف التقديم , و أما الرحيم فمعناه المختص برحمته من تولاه , المجمولة فيه بتقدير العزيز العليم , و بالرحيمية المختصة بالمؤمن أرسلت الرسل و تنزلت الكتب و شرعت الشرائع و بينت الآيات لقوم يعقلون و تليت البينات لقوم يسمعون , وتميزت الحقائق لقوم يبصرون و وضعت العلامات لعلهم يهتدون , و نصبت الموازين لعلهم يرجعون و طبع على قلوب الذين لا يعلمون , صم بكم عمي فهم لا يبصرون . قال ابن برجان ,  ولما كانت هذه الكلمة ,يعني "بسم الله ", معناها العلو وهو يعم السبحات , وكانت سبحاته لا تحصى ولا تتناهى , قرنها باسمه العظيم  الدال على جميع الأسماء ثم أمرنا أن نتبرك بها في جميع أمورنا , ونلوذ بعصمتها عند الجميع في جميع أعمالنا , وفي اختصاصها بالأسماء الثلاثة , ايماء الى أن المستحق الذي يلجأ اليه و يستعان  في جميع الأمور به و يعول عليه , فانه واجب الوجود المعبود الحقيقي , مولي النعم كلها جليلها و حقيرها , دنيويها وأخرويها , فيتوجه بشراشره أي بكليته اليه, و يعتمد في جميع أموره عليه .

تنبيهات أربعة و فيهن فوائد . التنبيه الأول فيما يتعلق بجملة البسملة : الفائدة الاولى : لأي شيء يبتدأ ببسم الله الرحمان الرحيم , فيه ثلاثة أقوال : قيل تبركا و تيمنا بذكر اسم الله عز وجل و صفاته وقيل اقتداء بالقرآن العظيم , وضعا في المصحف لا نزولا , وقيل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يبتدأ به في رسائله الى الآفاق و الأحاديث المتقدمة . الفائدة الثانية في كيفية نزوله : فاعلم أنه تنزل متفرقا لا مجتمعا لأنه عليه السلام كان يكتب اول الاسلام باسمك اللهم حتى نزل قوله تعالى "بسم الله مجراها ومرساها" فصار يكتب "بسم الله " , حتى نزل قوله تعالى "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان "فصار يكتب "بسم الله الرحمان " , حتى نزل قوله تعالى "انه من سليمان وانه بسم الله الرحمان الرحيم ", فكملت البسملة . الفائدة الثالثة في مواضعها : فاعلم أن مواضعها مبادئ الأفعال و مبادئ الأقوال , لقوله عليه السلام :"من قال في مبدا أفعاله وأقواله بسم الله الرحمان الرحيم دخل الجنة " .

الفائدة الرابعة في المواضع التي لا يزاد الرحمان الرحيم فيها , فهي سبعة و قد نظم ذلك بعض الناس فقال :

فبسمل دون الرحمان في الأكل و الشرب             ذكاة  وضوء  والجماع أخا الفضل

ركوب   سفينة    مطايا       ونحوها               وفي غير ذا المعدود زده بلا فصل

وانما لا يزاد الرحمان الرحيم عند هذه الأفعال , للمنافرة بين البسملة المشتملة على صفة الرحمة وبين هذه الأفعال المقتضية لصفة التعذيب , ولا تجتمع الرحمة مع النقمة و العذاب . و قد ورد أحاديث في كيفية البدا بهذه الأشياء المذكورة كالأكل والشرب والجماع و غيره فلا نطيل بها .

الفائدة الخامسة في فائدة الاتيان بها , وذلك ليكتب ذاكرها من أهل التقوى , لقوله تعالى "وألزمهم كلمة التقوى ", الآية , أو لتفر عنه الشياطين لقوله تعالى "واذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ", اذ من المفسرين من قال بالآيتين في "بسم الله الرحمان الرحيم "  . الفائدة السادسة في فضائلها و هي أكثر من أن تحصى , منها ما قال عليه السلام :"من قال بسم الله الرحمان الرحيم دخل الجنة ", و قال عليه السلام :" من رفع قرطاسا فيه بسم الله الرحمان الرحيم تعظيما له كتب عند الله من المقربين ". وقال عليه السلام : " ما من كتاب يوضع في الأرض وفيه بسم الله الرحمان الرحيم الا وبعث الله من يرفعه , فاذا رفعه حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر و كتب عند الله من المقربين و خفف الله تعالى عن والديه العذاب , ومنها ما قال عليه السلام : " ان المؤمن اذا أراد أن يدخل النار قال بسم الله الرحمان الرحيم تباعدت النار منه مقدار سبعين ألف سنة ", ومنهاما قال عليه السلام : " لا يرد دعاء أوله بسم الله الرحمان الرحيم ". وروي , وأقسم رب العزة جل جلاله أن لا يذكر اسمه على شيء , الا وبورك فيه ولا على عليل الا وشفي ,( مختصر) . الفائدة السابعة في حكم النطق بها : فيه قولان , السر أوالجهر و لكل دليل . فدليل الاسرار قوله تعالى : " ادعوا ربكم تضرعا و خيفة ", الآية , و قوله عليه السلام " خير الذكر الخفي " . و دليل الجهر قوله تعالى : "فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا " , الآية .و قوله عليه السلام " يقول الله تعالى :"من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملا ذكرته في ملا غيره " , الحديث . و ذكر الملا لا يكون الا عن جهر, وأيضا في الجهر سبعة أشياء محمودة لم تكن في السر , و هي تنبيه الغافل وتعليم الجاهل وتذكير للذاهل و اكثار للعمل و ايقاظ للفوائد وابعاد للنعاس و زيادة للنشاط . الفائدة الثامنة في اعرابها , أي "بسم الله الرحمان الرحيم " باسم جار ومجرور متعلق بمحذوف , واختلف فيه هل اسم أو فعل مقدم أو مؤخر , خاص أو عام , أقوال . قال البيضاوي يضمر كل فاعل ما جعلت التسمية مبدأ له , بناء على أنه خاص الخ , و الله مخفوض بالاضافة , و الرحمان بالتبعية أو البدلية أو عطف البيان , أقوال . و الرحيم نعت باتفاق , واختلف فيه هل نعت لله تعالى , فهو نعت بعد نعت أو للرحمان على القول بعمليته وفيها سبعة وجوه , خمسة جائزة واثنان ممنوعان . فالممنوعان الاتباع بعد القطع , و هو خفض الرحيم مع رفع الرحمان ونصبه , والخمسة الباقية جائزة .

التنبيه الثاني , فيما يتعلق باسم الجلالة و هو الله تعالى . الفائدة الأولى في معناه : فمعنى الله تعالى ,الظاهر بالربوبية بالدلائل , المحتجب عن جهة التكييف عن الأوهام , و هو المعبود بحق , و قيل المتصف بصفة الكمال المنزه عن صفة النقصان , و قيل اسم لموجود واجب الوجود , موصوف بالصفات منزه عن النقائص و الآفات لا شريك له في المخلوقات . الفائدة الثانية : هل هو جامد أو مشتق . قولان , فمذهب جمهور النحات أنه مشتق , و مذهب جمهور الفقهاء أنه غير مشتق , بل هو اسم علم ليس فيه معنى صفة أصلا كسائر الأعلام الجوامد . الفائدة الثالثة : هل هو منقول أو مرتجل , قولان . ذهب جمهور النحات الى أنه منقول من الجنس الى الاختصاص , و ذهب جمهور الفقهاء الى أنه غير منقول من شيء , و أنه اسم علم مرتجل لم يسبقه اسم آخر ينقل منه , و هو قول أهل التأويل و أهل المعرفة بأسرار التنزيل . الفائدة الرابعة : من أي شيء اشتق . على القول بالاشتقاق فيه أقوال . قيل من أله يله , اذا عبد تألها , أي استحق العبادة و منه سمت العرب الأصنام آلهة, لزعمهم أنها مستحقة للعبادة , و قيل من الألهية وهي القدرة على الاختراع و التصرف في كل شيء على التمام والكمال , وقيل من ولهت اليه اذا افتقرت اليه و فزعت اليه في الشدائد , و قيل من الوله الذي هو الطرب و هو خفة تصيب الانسان من شدة الفرح , و هذه صفة ترجع الى الخلق من الفرح بشأن الخالق و عظم قدرته و سعة رحمته . و منه الواله وهو الشديد الشوق , و قيل من أله اذا تحير , و هذا أيضا يرجع الى الخلق , و قيل من لاه يلوه اذا احتجب , و قيل من لاه اذا علا و ارتفع , و قيل من أله بالمكان اذا أقام به على حالة واحدة لا تتبدل. الفائدة الخامسة : من أي شيء نقل على القول بأنه منقول . فاعلم أنه نقل من الجنس الى الاختصاص و هو من الاه , الواقع على كل معبود بحق أو باطل , لقوله تعالى : " اجعل لنا الاه كما لهم آلهة " , ثم أدخلت عليه الألف والام فصار اسما خاصا بالباري جل وعلى , و الصحيح خلافه , أي غير منقول .

الفائدة السادسة : في أصله . فيه أربعة أقوال : قيل اله وقيل ولاه , وقيل لوه و قيل ليه . أما على القولين الأخيرين تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله , قلب ألفا فصار لاه , ثم أدخلت عليه الألف و اللام فصار اللاه , فأدخلت اللام في اللام فصار الله تعالى , ففيه على هذا خمسة تصاريف فلا نطيل بها . وأما على القولين الأولين وهو الاه و ولاه فان الواو تقلب همزة كما تقلب في وشاح و وسادة , ثم أدخلت الألف واللام ثم حذفت الهمزة تخفيف على غير قياس أو على قياس النقل ثم تدغم ثم تفخم .

ففيه ستة تصاريف على القول الأول , وخمسة على الثاني . الفائدة الثامنة : في معنى الألف واللام فيه . ففيه أربعة أقوال : التعريف و التعظيم والتعويض و العهد . أما التعويض , فمن الهمزة والواو بعد نقله الى الهمزة المحذوفين في لاه و ولاه المتقدم ذكرهما . و اما العهد , أي الالاه الذي عهدت منه الألوهية , و لا يجوز أن تكون للجنس و يلزم الكفر و فليتنبه . (التنبيه الثالث ) فيما يتعلق بالرحمان :

الفائدة الأولى في معناه , فاختلف في معنى الرحمان و الرحيم , قيل مترادفان و قيل لا , و اختلف على هذا  القول في معناهما , قيل ترك العقوبة لمن يستحقها , و قيل معناهما ذو الرحمة , نظيرهما ندمان و نديم , و سلمان و سليم , واختلفوا في معنى الرحمة , قيل هي ارادة الانعام و الاحسان , وقيل نفس الانعام والاحسان , و تظهر ثمرة الخلاف في القائل في الدعاء " اللهم اجعلنا في مستقر رحمتك " , فعلى الأولى لا يجوز , لأن ارادة الله تعالى صفة قائمة بذاته قديمة أزلية , فلا تحلها الحوادث و لا العوارض , و على الثاني يجوز , فان نفس الانعام و الاحسان الجنة . و على القول بأنهما غير مترادفين بل متباينان , فاختلفوا فيهما على ثلاثة أقوال : قيل الرحمان في الدنيا و الآخرة , و الرحيم في الآخرة فقط . و قيل الرحمان لجميع خلقه و الرحيم لعباده المؤمنين خاصة , فالرحمان على هذين القولين أعم . و قيل الرحمان لأهل السماء و الرحيم لأهل الأرض ,  فلا عموم و لا خصوص على هذا القول . فرحمته لأهل السماء بأن رزقهم الطاعات و جنبهم الآفات و قطع عنهم الطعام و اللذات , و رحمته لأهل الأرض بأن أرسل اليهم الرسل و أنزل عليهم الكتب .

الفائدة الثانية في وزنه , فوزنه فعلان كندمان و سكران من أوزان المبالغة , فان زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى . الفائدة الثالثة , هل هو صفة أو علم قولان , و صحح قوم كونه صفة . الفائدة الرابعة , هل هو عربي أو عجمي قولان , و الصحيح أنه عربي . الفائدة الخامسة , في معنى الألف واللام فيه قولان , قيل للتعريف و قيل للعهد , معناه الرحمان الذي عهدت منه الرحمة . الفائدة السادسة , هل هو منصرف أو غير منصرف قولان , و الصحيح أنه غير منصرف للعلمية و زيادة الألف والنون . الفائدة السابعة , في تسمية غير الله به قولان , و الصحيح لا يجوز تسمية غير الله تعالى به و كذلك الرحيم معرفا على المشهور , و كذلك الرب معرفا أيضا , و أما مع التنكير , فالصحيح الجواز في الأخيرين و الخلاف في رحمان , و أما الله تعالى فلا تجوز التسمية به اجماعا .

و الحاصل , أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام : قسم لا يجوز التسمية به باتفاق , و هو الله تالى .

و قسم مختلف فيه , و هو ثلاثة أسماء , الرحمان و الرحيم و الرب معرفين , و قسم يجوز معرفا باتفاق و هو ما عدى القسمين المذكورين . التنبيه الرابع فيما يتعلق بالرحيم .الفائدة الأولى في معناه و قد تقدم . الثانية , وزنه , فهو فعيل على طريق المبالغة كعليم و خبير . الثالثة في اشتقاقه , فهو من الرحمة كما تقدم . الرابعة , هل عربي أو عجمي فهو عربي باتفاق . الخامسة في معنى الألف و اللام فيه , ففيه قولان تعريفية أو عهدية , و معناه الرحمان الذي عهدت منه الرحمة . السادسة , هل يجوز التسمية به , فقد تقدم ذلك . السابعة في موارد فعيل في كلام العرب . الأول أن يكون أصلا في بابه لم ينقل عن بناء آخر كظريف وشريف . الثاني , بمعنى فاعل كعليم وقدير . الثالث بمعنى مفعول كقتيل وجريح . الرابع أن يكون بمعنى مفعل بكسر العين كأليم و وجيع . الخامس بمعنى مفعل بفتح العين كسيف حديد و باب وصيد أي محدد و موصد أي مطبق , يقال أوصدت الباب اذ أطبقته , و منه قوله تعالى " و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " , أي بالموصد و الله أعلم . السادس بمعنى مفاعل , بكسر العين كجليس و نديم أي مجالس و منادم و أكيل و شريب و حسيب , و منه قوله تعلى " ان الله كان على كل شيء حسيبا", أي محاسبا . السابعة بمعنى مفعل بتشديد العين المكسورة كصميم و بشير أي مصمم ومبشر الى آخر صيغه الستة عشر المذكورة في محالها , فلا نطيل بها . و المراد بالرحيم هنا من هذه الموارد هو المعنى الثاني بمعنى فاعل , و الله أعلم . (تذييل ) اختلف أرباب المعاني في معاني الأحرف الثلاث التي هي الباء و السين و الميم و في الأسماء التي هي بعدها , التي هي الله و الرحمان والرحيم . قيل الباء بهاء الله تعالى , و السين سموه , و الميم مجده , و قيل بركته و سموه و هيبته . وقيل بره و سره و مغفرته , و قيل بهجة المغفرة و سرور المحبة و ملك الشهادة , و قيل بقاء رب العالمين و سلامه على المؤمنين و محبته لعباده المؤمنين . و قيل بره لأهل السعادة و سبق رحمته لأهل الجهالة و المقام المحمود لأهل الشفاعة . و أما الأسماء الثلاثة التي هي الله تعالى و الرحمان و الرحيم عند أرباب المعاني , قيل خالق البرايا و معطي العطايا و غامر الخطايا . قيل علام الغيوب و ساتر العيوب و غافر الذنوب و الله تعالى أعلم . (لطيفة ) انما كان حروفها تسعة عشر حرفا لأنها على عدد الزبانية التسعة عشر , لقوله تعالى " عليها تسعة عشر " , الآية . روي عن ابن مسعود أنه قال : "من أراد أن ينجيه الله تعالى من التسعة عشر الزبانية التي ذكرها الله تعالى في كتابه , فليقل بسم الله الرحمان الرحيم , لأنهم على عدد حروفها , فكل حرف منها جنة لملك من تلك الملائكة ". و انما كان عدد الملائكة تسعة عشر و لم يكن أكثر ولا أقل قولان . الأول لمقابلتها ساعات الليل والنهار الأربعة والعشرين ما عدى أوقات الصلوات الخمسة , تشريفا و تعظيما لها , فانه لا يكون فيها عذاب . و الثاني , انما كانت تسعة عشر لمقابلتها طبقات جهنم 18 و أبوابها 7 لقوله تعالى " لها سبعة أبواب ", الآية . الباب الأول للمعذبين من الموحدين و الستة الأبوب السفلى للكفار , في كل باب ثلاث طبقات , فتضرب في ستة بثمانية عشر , و التاسع عشر باب الموحدين الأعلا , فمجموع ذلك تسعة عشر على عدد خزنة جهنم . فان الله تعالى جعل على كل باب من أبواب الكفار ثلاثة من الزبانية , و جعل على باب الموحدين ملكا واحد . و انما الحكمة في جعل الله تعالى على أبواب الكفار ثلاثة من الزبانية و على باب الموحدين ملكا واحدا , قال ابن الخطيب : الكفار معذبون على ثلاثة أشياء , و هي ترك الايمان و ترك النطق باللسان و ترك العمل بالجوارح , و المؤمن لا يعذب الا على شيء واحد , و هو ترك العمل بالجوارح . و قيل الحكمة في جعل الله تعالى أبواب جهنم سبعة ليكون ذلك على عدد جوارح الانسان السبعة , و هي السمع والبصر و اللسان واليد و الرجل و البطن و الفرج . و انما جعل "بسم" من ثلاثة أحرف مقابلة للثلاثة الأسماء , و هم الله والرحمان و الرحيم . و الحكمة في كونها ثلاثة لأن يؤمن الله تعالى قائلها من المخاوف الثلاثة , الدنيا و الآخرة و البرزخ , و هو ما بين الدنيا و الآخرة . فاذا قال العبد "بسم الله الرحمان الرحيم " أمنه الله تعالى من المخاوف الثلاثة. و قيل لأن الخلق ثلاثة أصناف : الظالم لنفسه و المقتصد و السابق بالخيرات , كما جاء ذلك في الكتاب العزيز , ثم بعد ذلك قلت :

 

                                     ( قال عبد الرحمان و هو المذنب        يرجو رضاء من اليه المهرب )

 

"قال" فعل ماضي , و هو ما وقع في زمن متقدم , و مقوله ما بعده و هو الحمد لله الخ . و انما قلت ذلك ولم نقل وقع موضع المستقبل , كما وقع الكثير ممن عبر بالماضي عن المستقبل , و ان كان جائزا في اللغة الفصحى , فاني لم أبتدىء أولا بهذا البيت الا بعد تمام النظم , بناء على عدم الظهور و الدعوى و استشعار النفس الى الهوى . ثم بعد ذلك , ألهم الله تعالى الى ذكر الاسم أولا لفوائد تحصل بذلك و الله أعلم . منها أن الواقف عليه لا يخلو من أن يكون معتقدا فيرغب في النظر فيه , فيستفيد, أو يكون منتقدا فيبحث على خلل فيصلحه أو ينبه عليه . و منها أن يكون عالما فيتذكر أو جاهلا فيتبصر وغير ذلك مما يطول ذكره , و أسأل الله تعالى الاخلاص في الأقوال و الأفعال و العصمة في السرائر و الأحوال , انه على ذلك قدير و هو نعم المولى و نعم النصير . و"عبد الرحمان " , هو اسم الناظم , و هو عبد الرحمان ابن أحمد ابن حموده ابن مامش الجزائري منشأ , القسنطيني دارا , الحنفي المالكي الشافعي الحنبلي مذهبا, الأشعري الماتريدي اعتقادا , الخلوتي النقشبندي طريقة  . ( تنبيهان ) اللأول و الثاني , قال عليه السلام : " أحب الأسماء الى الله , عبد الله و عبد الرحمان , فينبغي لذلك شكرا زائدا على الدوام الى أن يصل الى الآجلة , فانه تعالى رحمان الدنيا و الآخرة و رحيمهما كما تقدم , و لاضافة هذا العاجز اليهما فضلا منه من غير استحقاق , و ينبغي أيضا التحقق بهذا الاسم لمن تسمى به , كما وصف الله تعالى عباد الرحمان في قوله تعلى " و عباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " , الى قوله " و اجعلنا للمتقين اماما " , الآيات , من الله تعالى بذلك علينا بجوده و فضله , انه سميع مجيب و لمن دعاه قريب . قوله , وهو المذنب , اسم فاعل من أذنب , الرباعي , و هو من يلتبس باثم , فيشمل الكباير و الصغاير , بحسب المقامات , لقوله عليه السلام " حسنات الأبرار سيآت المقربين " . وصف نفسه به اعترافا واعتذارا من العبد اللئيم السقيم بين يدي الكريم الحليم , طمعا في عدم المؤاخذة فضلا ومنة , اذ الكريم اذا اعترف له واعتذر , جاد و تفضل وترك المؤاخذة . قال الشاعر :" دية المذنب عندنا الاعتذار , الخ . و روى الترمذي و غيره حديث "من أتى أخاه متنصلا من ذنبه , فليقبل اعتذاره محقا كان أو مبطلا , فان لم يفعل لم يرد الحوض " , و في معناه أنشد فقال :

اقبل  معاذر من  يأتيك    معتذرا          ان بر عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من  يرضيك  ظاهره          و قد أجلك من يعصيك مستترا

و في معنى ذلك قيل :

اذا اعتذر   الصديق   اليك يوما           فجاوز عن   مساويه  الكثيره

فان  الشافعي  روى      حديثا          باسناد  صحيح  عن  المغيره

عن  المختار  أن  الله     يمحو           بعذر   واحد   ألفي    كبيره

و روى ابن ماجة , " من اعتذر اخاه بمعذرة فلم يقبلها كان من الخطيئة , مثل صاحب المكس , اذ لا يأتي الا ذو قلب سليم , ومن لازم الاعتذار الذل و الانكسار و المسكنة و الاعتراف بالعجز و الاستغفار .  و قبول العذر من شئن كرام الناس , و لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى , و من أجل ذلك بعث المبشرين و المنذرين . ووصف الذ نب أيضا يقتضي طلب المغفرة , لقوله عليه السلام : " لولا أنكم تذنبون لذهب الله بكم و خلق خلقا يذنبون فيغفر لهم ", أخرجه الترمذي و رواه مسلم من طريق أبي أيوب الأنصاري , و لفظه أن أبى أيوب قال , حين حضرته الوفاة , " كنت كتمت عنكم حديثا سمعته من رسول الله , صلى الله عليه و سلم , و سوف أحدثكموه و قد أحيط بنفسي , سمعته يقول "لو لا " الخ . (تنبيه ) الذنوب داء , و قال عليه السلام " ما أنزل الله تعالى من داء الا أنزل له دواء , رواه البخاري . فدواء الذنوب التوبة و هي لغة الرجوع . يقال تاب اذا رجع , و شرعا الرجوع الى الله تعالى عما هو مذموم شرعا الى ما هو محمود فيه , و شرطها الندم و الاقلاع في الحين , و العزم أن لا يعود , فان تعلقت بآدمي , اشترط رد المظالم الى أهلها , و هي واجبة على الفور . و قال السبكي , رحمه الله تعالى , و هي التوبة الندم (1) و تتحقق بالاقلاع و عزم ان لا يعود و تدارك ممكن التدارك , و تصح و لو بعد نقضها عن ذنب و لو صغيرا و مع الاصرار على آخر و لو كبيرا عند الجمهور . فائدة : الذنوب كبائر و صغائر , و باجتناب الكبائر يغفر الله تعالى الصغائر

بفضله و وعده الصادق , لقوله تعالى "ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " , الآية . و قال عليه السلام " باجتناب الكبائر تغفر الصغائر ". قال في " اللباب " , الكبائر سبعة متفق عليها , و عشر مختلف فيها . فالمتفق عليها , الشرك بالله و القنوط من رحمة الله و الأمن  من مكر الله و قتل النفس التي حرم الله و اليمين الغموس والسرقة و عقوق الوالدين , و العشرة المختلف فيها , شهادة الزور و قذف المحصنات والسحر و الزنى واللواط و المشي بالنميمة و الفرار من الزحف و أكل مال اليتامى ظلما و الربى في الأموال و شرب الخمر . قال في "اللباب تفسير نوادر الكتاب " , فمن اجتنب هذه السبع عشرة كبيرة , و أقام الصلاة , غفر الله ما عداها من الصغائر , بدليل الكتاب و السنة , فضلا من الله تعالى و نعمة , و الله غفور رحيم . و قد قسم العلماء هذه الكبائر السبع عشرة على الأعضاء السبع الآتي ذكرها . ثلاثة في اللسان : اليمين الغموس و قذف المحصنات و شهادة الزور.

و ثلاثة في اليد : قتل النفس و السرقة و السحر . و ثلاثة في القلب : الشرك بالله و الأمن من مكر الله و القنوط من رحمة الله . و ثلاثة في البطن : شرب الخمر و أكل الربا و أكل أموال اليتامى ظلما . و اثنان في الفرج : الزنى و اللواط . و اثنان في الرجل : المشي بالنميمة و الفرار من الزحف . و واحد في سائر الجسد : و هو عقوق الوالدين . (تنبيه ) ان الذنوب ليست منحصرة فيما يتبادر اليه فهم العامة من قبائح الاعمال المتقدم ذكرها و غيره , بل من الذنوب ما هو صادر عن الأجنة و مداركها أكثر و أكبر . فصغير ذنوب البواطن أكبر من صغير ذنوب الظواهر , وكبيرها أكبر من كبيرها , بل ربما يوازي بعض صغائر البواطن كبائر الظواهر , و قد تكون كبائر الأجنة كفرا أو شركا صريحا , أو ما يؤدي الى ذلك . و كم للأجنة من ذنوب يصر عليه من يعد في جملة العابدين , كرؤية العمل و الادلال به على الله تعالى . ولقد سئلت سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها , فقيل لها : " متى يكون الرجل مسيئا ", قالت : " اذا ظن احتقار أنه محسن ". و من الذنوب ما هو أكبر من ذلك كالاعجاب بالعمل والفخر به و ازدراء من يظن أنه القصور عن عمله و الركون الى ما اعتاده مثلا من اجابة الدعاء , حتى يحمله ذلك على دعوى التصرف في الوجود بدعائه , أو بخاطره و نحو ذلك . و من أنواع الذنوب الباطنة الكبر و العجب و الرياء و السمعة و حب المال و الجاه و الحقد و الحسد و البغض لبعض من أحبه الله تعالى , والحب لبعض من أبغضه الله , و لقد غلب اصرارنا على ذنوب كثيرة كبيرة و هي في عيون عقولنا صغيرة , و ان ذلك من النفاق , نسئل الله تعالى التوبة و الفكاك منها بمنه و فضله . و قد ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه , قال :" ان المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه , و أن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه , فقال به كذا ". و قال ابن شهاب بيده فوق أنفه . و قد كان سيد المخلوقات من غفر الله تعالى ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر و عصمه من الزلات يقول " اللهم أنت ربي لاالاه الا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت , أعوذ بك من شر ما صنعت , أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي فاغفر لي فانه لا يغفر الذنوب الا أنت ". و كان بعض مشائخي , رحمهم الله تعالى , يقول " أستغفر الله العظيم من كل قول وكل عمل و كل اعتقاد أمرني الله و رسوله به فتركته , أو

نهاني الله و رسوله عنه ففعلته " . وكان يكثر من هذا الاستغفار في عامة أوقاته , رحمه الله و نفعنا به , آمين . قوله يرجو , مضارع رجا . قال الجوهري , و الرجاء من الأمل , ممدود . يقال رجوت فلان , أرجوه رجوا و رجاء و رجاوة , و هو لغة ضد اليأس , و شرعا ضد الخوف . و قد يكون الرجاء بمعنى الخوف . قال الله تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا " , الآية , أي لا تخافون عظمة الله تعالى . و الرجى بالقصر ناحية البير و حافتاه , و كل ناحية رجى , و هو عند أهل الحق تعلق القلب بمحبوب ممكن الحصول , أو الثقة بالجود من الكريم الموجود , أو سرور الفؤاد بحسن الميعاد , و هو ثلاث مراتب . الأولى , رجاء الشفاعة مع حالة الاسراف و قلة العمل . فيرجو دخوله في شفاعة الشافعين من رسول الله صلى الله عليه و سلم و غيره من عباد الله الصالحين , لقوله تعالى "و لسوف يعطيك ربك فترضى " . و هو صلى الله عليه و سلم لا يرضى بأحد من أمته في النار . و قال الامام علي كرم الله تعالى وجهه : " هذه أرجى آية في القرآن " , فعامة المسلمين يرجون الشفاعة مع صحة الايمان بالله تعالى و رسوله و اليوم الآخر , و اقامة حدود الله تعالى , فان ذلك موجب استحقاق الشفاعة . الثانية , رجاء قبول الأعمال , قيجتهد في تخليصه من الشرك الخفي , كالرياء و السمعة والعجب وطلب الثواب و الدرجات و نحو ذلك , المشار اليه بقوله تعالى " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " . الثالثة , رجاء سعة الرحمة و المنة , لقوله تعالى " و رحمتي وسعت كل شيء " . و قال عليه السلام ما معناه , " ان الله خلق , يوم خلق السماوات و الأرض , مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماوات و الأرض , جعل منها رحمة في الأرض , فيها تعطف الوالدة على ولدها , و الوحوش و الطيور بعضها على بعض , و أخر تسعا و تسعين . فاذا كان يوم القيامة كملها بهذه الرحمة ". قوله رضا , الرضاء بالمد و بالقصر , و الرضوان بالضم و بالكسر بمعنى . الا أن الممدود مصدره عن الأخفش , و هو لغة ضد السخط , و عند أهل الشرع سرور القلب بمر القضاء . وفي الحديث , "غضب الله عقوبته و رضاه ثوابه" . ورد قول من قال غضب الله تعالى النار و رضاه الجنة , لأنهما مخلوقتان و صفة المولى جل جلاله غير مخلوقة , الا أن يقال أن النار تستوجب بغضب الله تعالى و الجنة تستوجب برضاه . فعقوبته نار و آفة و بلاء , أعاذنا الله تعالى من ذلك بمنه و فضله و ثوابه جنة و راحة و نعمة من الله تعالى علينا بذلك بفضله و جوده . قال تعالى " رضي الله عنهم ورضوا عنه " الآية . و نتيجة رضى الله تعالى , الرضى عنه في كل ما قضى وقدر . و هو في البدايات الرضى بالله ربا و بالاسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلم نبيا رسولا , وفي النهايات القيام بالحق في ذاته و صفاته , فلا يرضى الا برضى الله كما في سائر رسومه و صفاته . و عند أهل الحقيقة , الانطماس في نور تجلي الهوية و عدم الشعور بالاينية , كما في الشريعة سرور القلب بمر القضاء كما تقدم . (تنبيه) الرضى أحد مقامات الصالحين , يترقى اليه من مقام التفويض الذي هو أعلى مقام التسليم . و الباعث على الرضى حسن الضن بالله تعالى , و عليه مدار العبودية و أساسها . و لذلك كان من الأصول الموصلة الى الله تعالى , و لا يصح لذي طريقة تحقق فيها دونه , قاله الخروبي , انتهى و الله أعلم . قوله "من ", أي الذي ,"اليه المهرب", و هو الله تعالى , المفهوم من الحال كقوله تعالى "انا أنزلناه ", الآية . أو الرحمان المذكور في قوله , قال عبد الرحمان الخ , و لا مهرب الى غيره تعالى , اذ لا ملجأ منه الا اليه , لقوله تعالى "  ففروا الى الله ", الآية . أي فروا الى الله تعالى من كل شيء شاغل للقلب عن  مراقبته و جريان حكمه على خلقه . و لذا لما صبت أموال الغنائم بين يدي علي كرم الله تعالى وجهه, قال : " اليك يا دنيا فقد طلقتك ثلاثا " , أشار , رضي الله عنه , الى فرار العامة , و أما فرار الخاصة فهو بالقلوب , سواء كانت الشواغل أم لم تكن , و ذلك أن القلب اذا صلح لا يرضه شيء , و اذا فسد لا ينفعه شيء , قاله في اللباب , انتهى . قلت , و لهذا قال في الحكم , انما استوحش العباد و الزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء , فلو شهدوه في كل شيء لم يستوحشوا من شيء . و قال الواسطي , " فروا من رؤية النفوس الى رؤية الله تعالى , فيما ساء و أسر و نفع و ضر , لأن أحوال العبد أربعة لا خامس لها . طاعة ومعصية , و نعمة وبلية , و الفرار من الكل الى الله تعالى واجب في الجميع . فمن النعمة و الطاعة بالشكر و الاخلاص . قلت , و من المعصية و البلية بالتوبة و الصبر . قيل فروا من عملكم الى علم الله و من تدبيركم الى تدبيره , و قيل فروا من الكثرة الى الوحدة , و من الشفع الى الوتر , و من التفرقة الى الجمع , و الله يجتبي اليه من يشاء . و قيل ان الله تعالى واجب الهجرة على عباده من المذام الى المحامد , حسا و قلبا . فاذا فسد المحل و أهله فالهجرة حسية , و اذا لم يفسد , كانت قلبية , لقوله عليه السلام : " لا هجرة بعد الفتح و لكن جهاد و نية ", الحديث . فالهجرة هجرتان , كبرى و صغرى , كما ان الجهاد  جهادان أصغر و أكبر . فالهجرة الصغرى هجرة الأجسام من الأوطان , لقوله تعالى "قل ان كان آبائكم و أبنائكم و اخوانكم ", الآية . و الهجرة الكبرى هجرة القلوب بترك السوى , لقوله عليه السلام :"نية المؤمن خير من عمله , و نية الفاسق شر من عمله ". و الجهاد الأصغر جهاد الأجسام مع الأجسام و الجهاد الأكبر جهاد القلوب مع النفوس, لقوله عليه السلام : " هبطتم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر " , بعد رجوعه من غزوة كان فيها. قيل له وما الجهاد الأكبر يا رسول الله , قال :"جهاد النفس " , أو كما قال , انتهى . قال عفى الله عنه :

 

( الحمد لله الذي أورثنا            كتابه و حصنه أدخلنا )

 

صدر النظم بعد البسملة الشريفة بالحمدلة الكريمة المنيفة سلوكاعلى جادة منهاج الأمة , و عملا بالكتاب و السنة , و غير خاف ان الاتيان بالتسمية على قصد الاتباع تبركا و تيمنا حمد تام و ذكر عام , لكن المقتصر عليها لا يسمى حامدا عرفا , فأتي به لذلك و امتثالا لقوله صلى الله عليه و سلم : "ان الله عز و جل يحب ان يحمد ", رواه الطبراني و غيره . و أخرج الديلمي عن الأسود بن سريع مرفوعا , ان الله عز وجل يحب الحمد , يحمد به ليثيب حامده , و جعل الحمد لنفسه ذكرا و لعبده ذخرا . و روى البيهقي و غيره , بسند رجاله , ثقات , لكن فيه انقطاع , عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال : " الحمد رأس الشكر , ما شكر الله عبد لا يحمده . و روى الطبراني في الأوسط , بسند فيه ضعف عن النواس بن سمعان , قال :"سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليهه وسلم الجدعا , فقال : "لان ردها الله علي لأشكرن ربي ", فردت , فقال : "الحمد لله ". فانتظروا هل يحدث صوما أو صلاة , فظنوا أنه نسي , فقالوا له ذلك فقال : " ألم أقل الحمد لله ". و روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس : " الحمد لله كلمة الشكر , فاذا قال العبد الحمد لله , قال الله تعلى شكرني عبدي . و في صحيح مسلم , عن أبي مالك الأشعري مرفوعا , "الحمد لله تملأ الميزان ". و روى أبو داوود و النسائي و غيرهما عن أبي هريرة مرفوعا , "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ". وروي بالتعريف و بالضم و بالكسر , و معنى أقطع ناقص , على طريقة التشبيه البليغ , أي ناقص البركة , اما حسنا أو معنى , كنقصان الحيوان المقطوع أحد الأعضاء بالنسبة الى الكامل . و قد اختلف المتكلمون في تعريف الحمد على أقوال , و الذي اختاره التفزتاني هو الثناء بالكلام على قصد التعظيم , سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها . و الشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما , سواء كان نطقا باللسان أو عملا و خدمة بالأركان , أو محبة و اعتقاد بالجنان . فعلم من الحديثين أن كلا منهما أعم من الآخر من وجه , و أخص منه من وجه آخر . فالحمد أخص من الشكر موردا , فانه لا يقع الا باللسان و أعم متعلقا فانه يقع على السراء و الضراء . و الشكر أعم موردا لأنه يقع باللسان و بالأركان و بالجنان و أخص منه متعلقا , لأنه لا يقع الا على السراء , و هذا مذهب الجمهور . و ذهب سيبويه و ثعلب الى ترادفهما . و اعلم أن الحمد من المصادر التي سدت مسد الأفعال , و بيانه أن الأصل في قولنا "الحمد لله " , حمدت حمد الله , بجملة فعلية . و الجملة الفعلية تدل على التجدد و الانقطاع ان كانت ماضية , و على التجدد و الاستمرار ان كانت استقبالية , و المقام هنا يقتضي الثبوت و الاستقرار , و الموضوع لذلك الجملة الاسمية . فحول الاسناد فرار من هذا العارض , فحذفوا الفعل , فبقي حمد الله بنصب حمد , فاحتيج اذا الى تقدير عامل يعمل فيه , لأنه منصوب و النصب أثر , فلا بد له من مؤثر لاستحالة وجود أثر بلا مؤثر . فقدر له فعل ينصبه و المقدر في حكم المنطوق به , فتصير الجملة بذلك فعلية . فرفعوا حمدا و قالوا حمد لله , على أن حمد مبتدأ و لله خبره , فلزمهم الابتداء بالنكرة بغير مسوغ , فأدخلوا الألف واللام و قالوا الحمد لله , و استفيد من ذلك حصر المبتدا في الخبر , و معناه أن المحامد كلها لله عز وجل . و بيانه أن المحامد أربعة , حمدان قديمان و حمدان حادثان . فالقديمان وصفه و الحادثان فعله , لقوله تعالى " و الله خلقكم و ما تعملون ". فثناء العبد على مثله ,و ربه بخلقه تعالى , و ثناء الحق على ذاته الكريمة و صالح عباده بكلامه القديم المنزه عن التغيير بوصفه تعالى .  و حكمه الوجوب في العمر مرة بقصد أداء الواجب , كالنطق بالشهادتين , و لو في حق المسلم الأصلي , و ما زاد على ذلك فمستحب . (فائدة) وقع الخلاف في أفضل المحامد , فقيل أفضل ما حمد الله تعالى به الحمد لله , بجميع محامده كلها , ما علمت منها و ما لم أعلم , على جميع نعمه كلها ما علمت منها وما لم أعلم , و زاد بعضهم , عدد خلقه كلهم ما علمت منهم وما لم أعلم . و قيل أفضلها , الحمد لله حمدا يوافي نعمه و يكافي مزيده , لما ورد أن الله تعالى لما أهبط آدم عليه السلام الى الأرض , قال "يا رب شغلتني بكسب يدي , فعلمني شيئا فيه مجامع الحمد والتسبيح ". فأوحى الله تعالى اليه ان قل ثلاث مرات عند الصباح و عند كل مساء , " الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه و يكافي مزيده , فقد جمعت لك جميع المحامد " . و قيل أفضل المحامد " اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". و ثمرة الخلاف تظهر في بر من حلف ليثنين على الله تعالى بأفضل الثنائات , فالأولى أن يأتي بجميعها لتعارض الأحاديث فيها , و ان أتى بواحد منها , أو بلا اله الا الله بر , لقوله عليه السلام " أفضل ما قلته أنا و النبيون من قبلي لا اله الا الله ", و الله أعلم . و الخلاف أيضا في أفضلها , هل المطلق و به قال الشافعي رحمه الله تعالى , لصدقه على جميع المحامد كلها . و قال مالك رحمه الله تعالى المقيد أفضل من المطلق , كما يرى أيضا أن المقيد بالاثبات أفضل من المقيد بالنفي , مستدلا بكثرة وروده في القرآن , و لأنه يثاب عليه ثواب الواجب , لأن الغالب عليه وقوعه في مقابلة نعمة . و لذلك قيد الناظم الحمد هنا بقوله , عفى الله عنه , الذي أورثنا كتابه , اشارة الى قوله تعالى "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها ", الآية . أورثنا , أي أدخلنا و أعطانا و منحنا وتفضل علينا بكتابه , الذي معناه " لا اله الا الله" , جيل عن جيل و أب عن أب من غير مشقة و لا تعب فضلا منه و منة و اصطفاء . كتابه , قال في مفتاح الجنة : واعلم , اسم الكتاب يطلق على كل ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه أو أخبر به بالوحي . فمن الكتاب أخذت علوم الأولين والآخرين , وعبر على أشرافها في مراتب الدين و اليقين و علو التمكين , واتفق جميع العلماء أن ذكر الله تعالى أعلاها و أولاها , و أطهر للنفوس و أزكاها . ألا ترى الى ما قدمنا من معنى قوله تعالى " وأقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر و لذكر الله أكبر ", انتهى كلامه. قلت , وأعلى الذكر " لااله الا الله ", كما سيأتي بيان ذلك . و لحديث " أفضل ما قلته أنا و النبيئون من قبلي لا اله الا الله ", و فيه براعة الاستهلال و هي كما قال الصفي الحلي , و هو أن يكون المطلع دالا على ما بنيت عليه القصيدة , كقول أبي تمام , " السيف أصدق انباء من الكتب ", لما كان بناؤه على ذكر الفتح و التحريض على الحرب , الخ. و هنا لما كان النظم محتويا على بعض ما يتعلق بمعنى " لا اله الا الله "و الجلالة , قال الحمد لله الذي أورثنا كتابه , مشيرا الى المعنى المتقدم ذكره , أي أورثنا " لا اله الا الله " التي هي معظم معنى الكتاب المذكور , بل كله . قال الغزالي , رحمه الله تعالى في كتابه جواهر القرآن و درره : سر القرآن و لبابه الأصفى و مقصده الأقصى , دعوة العباد الى الجبار الأعلى , رب الآخرة و الأولى , و خالق السماوات العلى و الأراضين السفلى و ما بينهما و ما تحت الثرى , الخ . و هذا معنى لااله الا الله , لقوله عليه السلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لااله  الا الله " , الحديث . و لما كانت الآية المتقدم ذكرها منجية الى الذكر , قال المفسرون , الظالم لنفسه هو ذاكر الله تعالى على الغفلة , و المقصد تارة بتارة , و السابق بالخيرات باذن الله هو القائم بمعنى الذكر الموفق لشرطه . ثم شملتهم العناية بقوله تعالى "جنات عدن يدخلونها " . و قال في اللباب : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية , فقال : " سابقنا سابق و مقصدنا لاحق و ظالمنا مغفور له " . و لهذا الحديث قال في الحكم : لاتترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه , لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره , فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة الى ذكر مع وجود يقظة , و من ذكر مع وجود يقظة الى ذكر مع وجود حضور , و من ذكر مع وجود حضور الى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور , و ما ذلك على الله بعزيز . (تنبيه) انما قدم الظالم لنفسه على السابق , مع أن السابق أفضل ذكر, في كنز اليواقيت ثمانية أقوال , و ذكر ابن العربي في القانون أربعة عشر قولا , منها : لئلا يقنط من رحمة الله تعالى , و منها لئلا يجتمع عليه همان , هم الجفا و هم التأخير . و منها أنه مسيء و الكريم الربا يحسن للمحسن و المسيء , و منها أنه منكس الرئس حياء من جرمه , فلما تنكس رأسه رفعه الله تعالى . فائدة : انما قال أورثنا دون غيره , نحو أعطينا , ففيه أقوال . منها : الميراث لا ينتزع بخلاف العطية , ومنها الميراث يكون بالهناء دون التعب و العناء بخلاف غيره , و منها الميراث يشترك فيه العاصي و المطيع , و الكتاب يشترك فيه الظالم و المقتصد و السابق , الخ . و من أراد استيعاب ذلك فعليه بالمطولات . قوله و حصنه أدخلنا , اشارة الى ما رواه ابن النجار سند يعمل به , عن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم , يقول الله تعالى لااله الا الله حصني , فمن دخله أمن من عذابي " . و روى ابن النجار أيضا بسند يعمل به عن أنس بن مالك رضي الله عنه , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز و جل لا اله الا الله حصني من دخلها أمن من عذابي , و معنى دخولها التحقق بها و بموجبها من توحيد الله تعالى الواقع لعوام المؤمنين , المحصل لاعتقاد أن الله تعالى واحد لا شريك له و لخواصهم , كافر اذا لحق تعالى بالقصد والوجهة و الايثار على ما عداه , و الاعراض عند ملاحظة عظمة الذات عما سواه تعالى , لأن التوحيد ينقسم على ثلاثة أقسام .

تقليدي و نظري و ذوقي . فالتقليدي هو الظاهر الذي يعصم الدماء الا بحقها , واما النظري , " أفلا تنظرون الى الابل كيف خلقت " , الآية . و أما الذوقي فله مراتب سبعة . فالأولى منها تفيد حسن الابتداء بالباطن لنيل المذاق , و الله تعالى يحب ذاته بصفاته , و صفاته بأفعاله , و أفعاله بما اشتملت عليه طباع الانسان من الركون الى المألوفات , انتهى , من الساحلي باختصار . (تنبيه) انما كانت " لا اله الا الله " حصنه تعالى , فان معنى الحصن , كما في القاموس , كل موضع حصين لا يوصل الى جوفه , لأنها مشتملة على صفة الألوهية , و صفة الألوهية جامعة لكل كمال , مانعة لكل النقائص و الأرذال , و كمالاته تعالى لا نهاية لها و لا يوصل اليها , أي الى منتهاها . و قوله " أمن من عذابي " , قالوا الدنياوي و الأخراوي . أما الدنياوي , فهو عصمة الدماء و الأموال و غيره , و قيل كل كرب و كل محنة و آفة لعموم اللفظ , فان من دخلها , أي تحقق بها و امتزجت مع دمه و لحمه , كما أشار اليه السنوسي , فانه يرى لها من الأسرار و العجائب ما لا يدخل تحت حصر . منه ما يمنعه الله تعالى من كل عذاب دنياوي و غيره . قال عليه السلام " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله , فاذا قالوها عصموا مني دمائهم و أموالهم الا بحقها ", الحديث . فلا شك أن عصمة الدماء و الأموال أمان من عذاب دنياوي , و كذلك ما شوهد من الداخلين في حصن لا اله الا الله من البركات و العافيات و النجاة من المكاره , ما لا ينكره الا ضعيف يقين و الحمد لله رب العالمين . و من ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , لا اله الا الله تدفع عن قائلها سبعة و سبعين بابا من البلاء , أدناها الهم , رواه الديلمي بسند يعمل به في الفضائل . وأما  الأخراوي , فهو النجاة من النار و النكال , لما رواه أبو نعيم في الحلية بسند يعمل به , عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , انني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا الا حرم على النار , لا اله الا الله " . و مما أخرجه ابن حبان بسند صحيح عن عثمان عن عمر رضي الله تعالى عنهما , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم , اني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبهه فيموت على ذلك , الا حرمه الله تعالى على النار " . و الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة لا تحصى . فتبين أن الدخول في حصنها أمن من عذاب الدارين بفضله تالى , جعلنا الله تعالى بمنه من الداخلين في حصنها بجوده , آمين . ثم قال عفا الله عنه , و لما كانت محبته صلى الله عليه و سلم  حياة النفوس و نجاة من كل محنة و بؤس , كانت الصلاة التي هي علامتها زينة المحاضر و الطروس و مرقاة لمرضاة الملك القدوس , كمل ثنائه بعد البسملة و الحمدلة بالصلاة و السلام على خير البرية , فقال :

 

( ثم الصلاة و السلام أبدا             على النبي الهاشمي أحمدا )

 

امتثالا لأمر الله و عملا بسنة رسول الله , قال تعالى : " ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما " . و قال عليه السلام : " من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب " , و قال عليه السلام : " كل كلام لا يبدأ فيه بالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة " . و للاجماع أيضا , قال القاضي عياض, رحمه الله تعالى , في الشفا : " وقع الاجماع على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الرسائل و بعد البسملة , و لم يكن هذا في الصدر الأول , و انما أحدث في زمن بني هاشم , فمضى عليه عمل الناس في أقطار الأرض في سائر الأعصار و الأمصار " , انتهى . و معنى الصلاة من الله تعالى رحمة , و من الملائكة استغفار , و من غيرهم دعاء على المشهور المأثور . و هل معنى الرحمة ارادة الاحسان أو نفس الاحسان . قولان قد تقدما , و قيل معناها الرحمة و زيادة الاكرام و الانعام . فمعناها على هذا , اللهم زده اكراما على اكرام و انعاما على انعام . و قال الحليمي في الشعب , معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه . فمعنى قولنا اللهم صل على سيدنا محمد , أعظم محمدا. و المراد تعظيمه في الدنيا باعلاء ذكره و اظهار دينه و ابقاء شريعته , و في الآخرة باجزال مثوبته عنده و تشفيعه في أمته , و ابداء فضيلته في المقام المحمود . و على هذا , فالمراد بقوله تعالى صلوا عليه , ادعوا ربكم في الصلاة عليه . و قيل الصلاة من الله على محمد , تشريف و زيادة تكرمة , و الصلاة من الله على غير محمد رحمة , و من الملائكة دعاء و استغفار , و من العباد عبادة , و حكمها أنها تجب كل ما ذكر صلى الله عليه و سلم , و به قال الطحاوي و جماعة من الحنفية , و الحليمي و جماعة من الشافعية . و قال به اللخمي من المالكية , و بن بطة من الحنابلة . و قال ابن العربي من المالكية , هذا هو الأحوط . و قيل تجب في كل مجلس مرة و لو تكرر ذكره فيه مرار , حكاه أبو عيسى الترمذي عن بعض أهل العلم . و قيل تجب في العمر مرة , كانت في الصلاة أو في غيرها ككلمة التوحيد , قاله أبو بكر الرازي من الحنفية . و قيل يجب الاكثار منها بغير تقييد بعدد , قاله أبو بكر ابن بكير من المالكية . و قيل تجب في الصلاة من غير تعيين عن أبي جعفر الباقر . و قيل في التشهد فقط , عن الشعبي و ابن رهاوية . و قيل في كل دعاء , و قيل غير ذلك . و قال ابن عطية في تفسيره : " الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها الا من لا خير فيه " , انتهى . و أما استحبابها , فقد ورد النص بمواطن منها يوم الجمعة و ليلتها , و يوم السبت و الأحد و الخميس , و عند زيارة قبره عليه السلام , و عند الصباح و المساء , و عند دخول كل مسجد و عند الخروج منه و في التشهد الأول عند الشافعية لذكر النبي فيه , و في الأخير عند المالكية فبل الدعاء , وفي خطبة الجمعة و غيرها من الخطب , و عقب اجابة المؤذن , و عند الاقامة و أول الدعاء و وسطه و آخره , و عقب دعاء القنوت عند الشافعية و الحنفية , و في صلاة الجنازة , و عند كل اجتماع و كل افتراق , و عند الوضوء و عند نسيان الشيء , و بعد العطاس على أحد قولين , و عند الوعض و نشر العلم و قراءة الحديث ابتداء وانتهاء , و عند كتابة السؤال و الفتيا . و لكل مصنف و مدرس و خطيب و خاطب و متزوج و مزوج , و في الرسائل و ما يكتب بعد البسملة , و منهم من يختم بها الكتب و بين سائر الأمور المهمة "  . و أما كراهتها ففي سبعة مواضع و هي : الجماع و حاجة الانسان و شهرة البيع و العثرة و التعجب و الريح و العطاس , على خلالف في الثلاثة الأخيرة . و ألحق بعض العارفين الأماكن القذرة و أماكن النجاسة , انتهى , من الفاسي باختصار . قوله "والسلام" , عطف على الصلاة لكراهة افراد أحدهما عن الآخر ,  و هو لغة كما قال الجوهري , السلامة و الاستسلام , واسم من التسليم و اسم من أسماء الله تعالى , و بالكسر و الفتح أيضا . شجر الواحدة سلامة و سلامة بالكسر , و السلام البراءة من العيوب في قول أمية , انتهى . قال عبد الرؤوف ابن المناوي , و السلام كالسلامة , التعري من الآفات الظاهرة و الباطنة المنافية للكمال و و حقيقة ذلك و كماله لا يكون الا في الجنة , لأن فيها بقاء بلا فناء , و غنى بلا فقر , و عزا بلا ذل , و صحة بلا سقم . و قيل معناه الأمان , و حقيقته زيادة تأمين له و طيب تحية و اعظام . فمعنى اللهم سلم عليه , اللهم زده أمانا على أمان و طيب تحية على طيب تحية و اعظاما على اعظام . (تنبيه) هل زيادة الاكرام و الانعام في الصلاة , و زيادة التحية و الاعظام في السلام , متوقف على دعاء العباد له صلى الله عليه و سلم . و الحق أنه لا يتوقف عليه , و انما عظمه الله تعالى و أنعم عليه و زاده قبل وجود العباد , فضلا عن دعائهم له صلى الله عليه و سلم . فان قيل ما فائدة التخصيص بالدعاء بالصلاة و السلام عليه , صلى الله عليه و سلم , قلت ذلك تعبد الله تعالى لما يعود من نفعه عليهم من غفران ذنوبهم و رفع درجاتهم , لا نفعه صلى الله عليه و سلم , لأنه غني بربه عن خلقه , لكنه صلى الله عليه و سلم , يدخل السرور عليه بغفران ذنوب أمته و رحمتهم و الله أعلم . هل تجوز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم , لقوله عليه السلام : " اللهم صل على آل أبي و أمي " , و قوله , صلى الله عليه و سلم , " و صل على أهل طاعتك أجمعين " . خلاف , و الصحيح , تجوز بالتبعية و تكره بالانفراد و الله أعلم . فائدة : الصلاة بالألف مبدلة عن واو لفظا و بالواو كتابة الا اذا أضيف أو ثني . يقال صلاتك أو صلاتان, و قال ابن درستويه لم يثبت بالواو في غير القرآن , و هي اسم من التصلية , أي الثناء الكامل , و كذا السلام من اسم التسليم كما تقدم عن الجوهري . و قيل مصدر ثلاثي أو مزيد , و الأول أصح . و المعنى جعله الله تعالى سالما عن كل مكروه , و حياه لما يليق به . و ذكر الحطاب في شرح المختصر عن بعض المتأخرين أنه حذر من اسعمال لفظ التصلية بدل الصلاة , و قال أنه موقع في الكفر و العياذ بالله , لأن التصلية معناها الاحراق , فليتنبه . ثم ذكر أن العرب لم تفه قط في الصلاة الفعلية و لا القولية بصلى تصلية , و انما يقولون صلى صلاة . قال الجوهري : الصلاة اسم يوضع موضع المصدر . يقال صليت صلاة , و لا تقل تصليت . قلت على هذا ما نقل عن النساءي و غيره , و ما نقله الشهاب عن ثعلب و ابن عبد ربه , أنهم قالوا تصلية ضعيف , و الله أعلم . قوله أبدا , أي دائما , قال الجوهري : و الأبد أيضا الدائم , و التأبيد التخليد , و قوله على النبي المراد به محمد صلى الله عليه و سلم . فالألف و اللام عهدية للوصف الآتي بعده , و هو بالهمز و دونه مأخوذ من النبا و هو خبر ذو فائدة عظيمة يحصل بها العلم , و لا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة . و النبوءة سفارة بين الله تعالى و بين ذوي العقول لازاحة عللهم في معاشهم و معادهم . (تنبيه) انما سمي النبي نبيئا , لكونه منبئا بما , أي بالأخبار و الغيوب عن الله تعالى التي تسكن اليه العقول الزكية الفاضلة , و الأخلاق الشريفة العالية المرضية , فيصح كونه فعيلا بمعنى فاعل أو بمعنى مفعل كذا ذكره بعض المحققين . و قال الحافظ أبو نعيم , سفارة العبد بين الله تعالى و بين ذوي الألباب من خليقته , و قيل النبوءة ازاحة علل ذوي الألباب فيما يقصرون عنه من مصالح الدارين , و لهذا يوصف دائما النبيء بالحجة و الهداية , ليزيح بها عللهم . فمعنى النبيء حينئذ ذو النبأ , أي الخبر , أي يكون مخبرا عن الله تعالى بما أوحى اليه , أو من النبوة بفتح فسكون , المكان المرتفع , و هو أن يخص بضرب من الرفعة , فيجعل سفيرا بين الله تعالى و بين خلقه . و من جعل النبوءة من الانباء بمعنى الاخبار , لم يفرق بين النبوءة و الرسالة . و معنى الرسول المرسل بالفتح , و ارساله أمره بالابلاغ و هو معنى النبأ الذي هو الاخبار بخلاف الأول و الله أعلم . فائدة : النبوءة التي هي السفارة لاتتم الا بخصائص أربعة يهبها الله تعالى له و هي : الفضيلة النوعية , و الفضيلة الاكرامية , و الامداد بالهداية , و التثبيت عند الزلة , و نفي خسائس أربعة و هي التي تعصم منها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و هي الكفر و الكذب على الله تعالى و الفسق و الجهل بأحكام الله تعالى . و معنى الفضيلة النوعية أن الملوك لا ترسل مبلغا عنها الا بكمال العقل مجملا بجميع المناقب . و لهذا لم يوجد نبيء قط فيه عاهة في بدنه , كعمى و جذام و برص و نحو ذلك , و اختلاط في عقله أو دناءة في نسبه أو خسا في أصوله أو رداءة في خلقه , و اليه يرجع قوله سبحانه وتعالى " الله أعلم حيث يجعل رسالته ", انتهى و الله أعلم . و قوله الهاشمي , نسبة الى جده هاشم , لأن أباه صلى الله عليه و سلم , عبد الله , و أبا عبد الله عبد المطلب , و أبا عبد المطلب هاشم الى عدنان . و قد نظمت نسبه صلى الله عليه و سلم سابقا تسهيلا للحفظ و هو :

محمد بن عبد الله انتسب                  و جده يعرف عبد المطلب

يعزى  لهاشم  الى  مناف                 الى قصي بن كلاب الكافي

الخ . و اسمه عمرو , و هو اسم منقول من العمر بالفتح الذي هوالعمر و بالضم البقاء , أو العمر الذي هو واحد عمر الانسان , و هو ما بينهما من اللحم أو من العمرة التي هي طرف الكم . يقال سجد على عمرته , أي كمه , ذكره السهيلي . و انما لقب هاشما , لأنه أول من هشم الثريد للحاج أيام الموسم , و لقومه في الحرب . و ذلك أنهم أصابهم قحط فرحل الى فلسطين فاشترى دقيقا فقدم به مكة , فكان يأمر بالخبز فيخبز , ثم يهشمه و يصب عليه المرق فيصير ثريدا في الجفان , و ذلك أهم لمجاعتهم و أسد لخلتهم و أستر لهم حتى لا يعلم أحدهم قدر ما يأكل صاحبه من الخبز . و كان جوادا سخيا لا تنقطع الأضياف من بيته , و هو من سن الرحلتين , رحلة الشتاء الى الحبشة و رحلة الصيف الى الشام . و له من الأولاد حنظلة و به كان يكنى , و عبد المطلب . و لا عقب له الا منه , و أسد والد فاطمة بنت أسد أم علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه , و أبو حنفا , الثنفا و خلدة و رقية و حية , و كان أبيض جميلا في جبهته نور كالهلال لايمر بشيء الا سجد له , و لا يراه أحد الا أقبل نحوه و قبله , و كان يقال له البدر و قدح النضار . و سأله قيصر لما وفد الى الشام أن يزوجه ابنته لما رأى في الانجيل صفته , و أنه يولد له ولد يكون نبيء هذه الأمة . و مات بغزة و له عشرون أو خمس و عشرون سنة. و قوله أحمدا , و هو من أعظم أسمائه صلى الله عليه و سلم , كمحمد و أشهرها و أبلغها و اليهما ترجع جميع صفاته , لأن صيغة المبالغة تؤذن بالتضعيف و التكثير الى غير نهاية , و صيغة أفعل تنبيءعن الوصول الى غاية ليس وراءها غاية . قال أهل الحق و لم يتسمى به أحد من قبله صلى الله عليه و سلم , منذ خلقت الدنيا , و لا تسمى به أحد في حياته . و أول من تسمى به والد الخليل بن أحمد . قال ابن دحية , و هو علم من صفة له من فعل . و قال في الزاد , اختلف هل أفعل بمعنى فاعل أو مفعول . فقال قوم بمعنى فاعل أي حمد الله تعالى أكثر من غيره , فمعناه أحمد الحامدين لربه . و قال آخرون بمعنى مفعول , أي أحق الناس و أولاهم بالحمد , فيكون كمحمد في المعنى , لكن الفرق بينهما أن محمدا هو المحمود حمدا بعد حمد , فهو دال على كثرة الحامدين له , و ذا يستلزم كثرة الخصال التي يحمد عليها . و أحمد هو الذي يحمد أفضل مما يحمد غيره . فمحمد في الكثرة و الكمية , و أحمد في الصفة و الكيفية , و الاسمان واقعان على المفعول , قال و هذا هو المختار . و لو أريد باسم الفاعل لسمي الحماد , أي الكثير الحمد , فانه صلى الله عليهه وسلم كان أكثر الناس حمدا لربه . فلو كان اسمه أحمدا , باعتبار حمده لربه , كان الأولى له الحماد كما سميت به أمته صلى الله عليه و سلم . فائدة : انما سمي بمحمد و أحمد لما اشتمل عليه من سيماهما و هو الحمد فانه محمود عند الله تعالى و عند الملائكة و عند الأنبياء و عند أهل الأرض , و ان كفر به بعضهم فهو عناد , لقوله تعالى "يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ", الآية . قال السهيلي و غيره كان المصطفى , صلى الله عليه وسلم , أحمد قبل أن يكون محمدا كما وقع في الوجود , لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب القديمة , و تسميته محمدا وقعت في القرآن , و ذلك لما حمده ربه قبل أن يحمده الناس , و قد خص بسورة الحمد و بلواء الحمد و بالمقام المحمود , و شرع له الحمد بعد الأكل و الشرب و الدعاء و القدوم من السفر , فجمعت له معاني الحمد و أنواعه . و لذلك قال موسى أو عيسى عليهما السلام " اللهم اجعلني من أمة محمد " . ذكر الواحدي أن النعمان السباعي , و كان من أحبار اليهود باليمن , لما سمع بذكر المصطفى صلى الله عليه و سلم قدم عليه و قال له : كان أبي يختم على سفر يقول لا تفتحه حتى تسمع نبيء يخرج من يثرب , فاذا سمعت به فافتحه , فاذا صفتك كما أراك و انك خير الأنبياء و أمتك خير الأمم , و اسمك أحمد . (تنبه ) قال بعض الأئمة من أهل التصوف أن لهذه الحقيقة المحمدية أسماء نورانية و صفات ربانية منها ما هو بمنزلة الفروع الجزئية , و ينشأ بعضها عن بعض , و يقال فيها من وجه أنها متناهية , و من وجه أنها غير متناهية . و ترجع من غير متناهيها بوجه الى تسعة و تسعين . و بوجه آخر أكثر , و أوسعها حيطة و أشملها جمعا اسمه محمد , و أسبقها حكما و أرفعها حضرة اسمه أحمد صلى الله عليه وسلم . فمحمد بمثابة اسم الله تعالى في اشتماله و جمعيته , و أحمد بمثابة اسم الرحمان في عمومه و سبقيته . و لما كانت الأسماء الحسنى تدخل بوجه ما حيطة اسمين سابقين و هما الواحد والأحد , من حيث أن الواحد أصل و منشأ لجميع الاعتبارات الغير المتناهية , فيدخل تحته جميع الأسماء السلبية , كان اسمه محمدا لاسمائه صلى الله عليه وسلم بمثابة الاسم الواحد , و أحمد بمثابة الاسم الأحد . و لما كانت بوجه آخر تدخل تحت حيطة اسمين عامين شاملين و هما الظاهر و الباطن , كان محمد الاسم الظاهر , و أحمد بمثابة اسمه الباطن . و لذلك كان اسما له من حيث ظهوره في عالم الأمر, و على هذا النمط الأول و الآخر . و اعلم أن لكل من هذين الاسمين , بحكم جمعيته , اشتمالا على الآخر مع رجوع سائر الأسماء اليه سلبية كانت أو ثبوتية . فأيهما دعوته به منهما فقد دعوته بجميع أسمائه . قال تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " . (تنبيه ) لم يصح في فضل التسمية به حديث , و أما خبر أنس مرفوعا : " يوقف عبدان بين يدي الله تعالى , فيؤمر بهما الى الجنة فيقولان ربنا بما استاهلناها و لم نعمل , فيقول اني آليت على نفسي لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد " , قال الذهبي حديث باطل موضوع . انتهى و الله أعلم . قال عفى الله عنه :

 

( و آله  و صحبه    الكرام             ما ذكر الله على  الدوام )

 

الآل بالألف مبدلة عن الهمزة المبدلة عن الهاء عند البصريين , و عن الواو عند الكوفيين , و الأول أصح لغة . و اضافة الآل الى الضمير قليلة أو غير جائزة . و المختار الأول و الأحسن الى محمد صلى الله عا\ليه وسلم , و لكن يسامح في النظم ما لا يسامح في غيره . و الآل يطلق بالاشتراك اللفظي على ثلاثة معاني : أحدها , الجند و الأتباع نحو آل فرعون , و الثاني النفس نحو آل موسى و آل هارون , يعني نفسهما , و الثالث بمعنى أهل البيت خاصة , نحو آل محمد صلى الله عليه و سلم . و انما وجب ذكر آله أيضا في الصلاة معه , لقوله صلى الله عليه و سلم : " اذا صليتم فعمموا " , و أراد بالتعميم على الآل , قاله شهاب الدين النقشبندي , و هو خاص بالأشراف و أولي الحظ و الشأن .

فلا يقال آل الاسكاف و الحائك , فيقال آل العباس . و لما تصور فرعون بصورة الأشراف , قيل آل فرعون . و قال في منهاج الضوء , آل النبي صلى الله عليه و سلم , هم المؤمنون , لأن آل الأنبياء متبعوهم . و قال الرجراجي في قرة الأبصار في الآل ثمانية أقوال : قيل أهله , و قيل أولاده , و قيل أهل بيته , و قيل قومه , و قيل أتباعه من أمته , كما يقال آل فرعون لأتباعه من قومه , و قيل أمته , و قيل نفسه , و قيل أولاد علي و العباس و جعفر و عقيل و حمزة , و هم الذين تحرم عليهم الصدقات , و هم أهل ورثته صلى الله عليه و سلم لولا المنع من ذلك , و هو قوله عليه الصلات و السلام " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " . قال بعض الفقهاء من فسر آله في باب الصلاة و الاحترام , صلى الله عليه وسلم , بغير هذا فقد أخطأ , انتهى . و صحح بعضهم جميع أمته , أي أمة الاجابة , و نسبه  لمالك رضي الله عنه , و قال و عليه أكثر العلماء . قال الزهري وهو أقرب للصواب , و اختاره النووي , قال و ما آل فرعون الذين  قال الله تعالى فيهم " و أغرقنا أل فرعون " الا أمته . قلت و هذا الخلاف انما هو في مدلول الآل لغة , ثم من أجل اجتهاد الأئمة في الشرعيات , رأى كل منهم ما رآه باجتهاده , و الا فآل النبي صلى الله عليه و سلم أهل بيته كما تقدم , من زوجاته و أولاده , و هم المرادون بقوله سبحانه تعالى " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجز آل البيت و يطهركم تطهيرا " . قيل و منهم كل بني هاشم و المطلب . و شهر أكثر المفسرين انها نزلت في علي و فاطمة و الحسين رضي الله عنهم . و قيل نزلت في نسائه , و نسب لابن عباس و كان مولاه عكرمة ينادي به في  السوق . و قيل في علي و فاطمة و الحسن و الحسين , كما في خبر مسلم , أنه أدخل ألائك الأربعة تحت الكساء و قرأ الآية و قال  " اللهم هؤلاء أهل بيتي و خاصتي أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا " .

و في حديث حسن أنه صلى الله عليه و سلم اشتمل على العباس و بنيه بملائة و قال : " يا رب هذا عمي و صنو أبي , و هؤلاء أهل بيتي , فاسترهم من النار كستري اياهم بملائتي هذه " , فقالت اسكفة الباب و حوائط البيت ءامين ثلاثا. فعلم أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت سكنه , و هن أمهات المؤمنين و أهل بيت نسبه و هم مؤمنوا بني هاشم و بني المطلب  , و صح هذا عن زيد ابن أرقم و الله أعلم . فائدة : التطهير المذكور في الآية اشارة الى اقامة الدعوة الى الله تعالى و ادامة الأعمال الصالحة , و من ثم لما ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة , لكونها صارت ملكا عضوضا , و لذا لم تتم للحسن رضي الله عنه , عوضوا عنها الخلافة الباطنة , حتى ذهب الى أن قطب الأولياء في كل زمان لا يكون الا منهم , بل هذا مسطور في كل كتب القوم , و صرح به أكابر الأولياء كالجيلي و ابن أدهم و محي الدين ابن العربي الحاتمي و غيرهم . و هذه هي الخلافة العظمى و ناهيك بها شرفا . فائدة : الآل اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط و قوم و ابل و غنم . قوله " و صحبه " , الصحب بالفتح جمع صاحب , كركب جمع لراكب . و قال الرجراجي , لصاحب عشرة جموع , صحب بالفتح و الضم و الكسر , و مصحب و أصحاب و صحاب بالفتح و الكسر , و صحابة و صحبان بالضم و الكسر , و معناه لغة الملازم و شرعا هو الجمع مع النبي صلى الله عليه و سلم , يقظة بعد النبوءة و قبل وفاته مؤمنا به و ان لم يرو عنه و لم يطل اجتماعه به و لم يجالسه أو لم يره لمانع , كعمى أو جاءه مؤمنا و لم يره النبي صلى الله عليه و سلم , أو كان صبيا أو وقعت له ردة لم يلق النبي صلى الله عليه و سلم بعدها ثم مات مؤمنا . و قال الرجراجي فيه ثمانية أقوال : قيل من ولد في زمانه صلى الله عليه و سلم , و قيل من ولد في زمانه و بلغ في زمانه , و قيل من رآه و لو مرة واحدة , و قيل من روى عنه ولو حديثا واحدا , و قيل من رآه و طالت صحبته معه , و قيل من رآه وروى عنه و طالت صحبته معه . قال ابن الحاجب في الأصول , مسألة الصحابي من رآه صلى اله عليه وسلم و ان لم يرو عنه و لم تطل صحبته معه , و قيل ان طالت صحبته , و قيل ان اجتمع . و قال سعيد ابن المسيب رضي الله عنه , كل من غزا معه غزوة أو غزوتين أو قعد معه سنة أو سنتين . و قال شهاب الدين القرافي , أصحابه عليه الصلاة و السلام هم الملازمون له المهتدون بهدايته حتى فاضت عليهم أنواره , و ظهرت عليهم بركاته و أسراره صلى الله عليهه وسلم . و هل هو جمع أو اسم جمع , قولان و الأول أصح كما تقدم . و قيل اسم جمع لا مفرد له من لفظه كنفر و قوم ورهط و ابل و غنم و غيره . فائدة : الأصل في ألفاظ جمعه لفظ الصحابة , لما فيه من المبالغة ولأجل هذا قال بعضهم و صاحب الرجل من بينه و بينه مخالطة و ملابسة , و ان قلت لم تختلف أحوالها و مراتبها على حسب ما هي عليه من ضعف و قوة , و فعله صحبته صحبة , فان حسنت و تضاعفت و اتصفت بالرعاية و الاعتناء و الكلاءة و الاحتياطات و التفقد و حسن الموالاة , قيل صحبته صحابة . فلفظ الصحابة مصدر يسمى به عند القصد للمبالغة في تحقيق معانيها . فأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم , لما فازوا بصحبته التي تمناها المتقدمون و حزن على فواتها المتأخرون , و ليس في مفاخر جبريل عليه السلام في السماء أعز و أفخر من صحبة محمد صلى الله عليه وسلم , و قاموا لها و بها و بحقها حق القيام , لقبوا بالصحابة , و صار علما في حقهم , فرقا بينهم و بين من سواهم ممن أحرم ثوابهم و حجب عن علاهم رضي الله عنهم . و قوله الكرام , وصف لهم رضي الله عنهم , و هو جمع لكريم . قال الجوهري , و الكرام بالضم مثل الكريم الصفوح , و كرم السحاب اذا جاء بالغيث الخ . و قال القرطبي , و هذا الاسم ممن تردد فيه كلام العرب و الأصوليين و الخلق واحد , كل بطرف منه و حوموا عليه فما أشفوا , وله معان . قيل الكريم الجواد الكثير الخير المحمود . يقال نخلة كريمة اذا طاب حملها أو كثر , و شاة كريمة أي غزيرة اللبن , و العرب الكرم عاما في بني آدم و غيرهم , فتقول لكل ذات شريفة , أو صدر منها منفعة و خير كريمة , كقولهم أرض كريمة و شجرة كريمة و فرس كريمة و نفس كريمة . و يسمون نفائس الأموال كرائم , و على هذا يخرج اخبار الله تعالى عن بلقيس " أني ألقي الي كتاب كريم " , و هو من أسمائه تعالى , نطق به الكتاب و جاءت به السنة . قال تعالى : " ما غرك بربك الكريم " , و جاء في الأسماء التسعة و التسعين الكريم .   و هو متردد بين أن يكون من أسماء الذات وبين أن يكون من أسماء الأفعال . و الله  جل و عز لم يزل كريما ولا يزال وصفه بأنه كريم هو بنفي النقائص عنه , و وصفه بجميع المحامد , و على هذا الوصف يكون من أسماء الذات . اذ ذاك راجع الى شرفه في ذاته و جلالة صفاته . اذا كان فعليا , كان معنى كرمه ما يصدر عنه من الأفضال و الانعام على خلقه . و ان أردت التفرة بين الاكرام و الكريم جعلت الاكرام الوصف الذاتي و الكريم الوصف الفعلي . قال ابن الحصار : " و اذا اعتبرت جميع ما ذكر في معنى الكريم , علمت أن الذي وجب لله تعالى من ذلك لا يحصى " . و قد حكى ابن العربي فيه عن المتكلمين و المتصوفين ستة عشر قولا . الأول , الذي يعطي لا لعوض . الثاني , الذي يعطي بغير سبب . الثالث , الذي لا يحتاج الى الوسيلة .  كما يروى عن حاتم الجود أن رجلا لقيه يعتفيه , فقال من أنت , فقال الذي أحسنت اليه العام الماضي , فقال مرحبا بنم يشفع بنا الينا . الرابع , الذي لا يبالي لمن أعطى ولا الى من يحسن , كان محسنا أو كافرا , مقرا أو جاحدا . كما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم , باسناد منقطع عن عمرو بن ميمون عن بن عباس , قال : " لما بعث الله تعالى موسى عليه السلام , و كلمه و أنزل عليه التوراة, فقال اللهم ابك رب عظيم , لو شئت أن تطاع لأطعت و لو شئت أن لا تعصى ما عصيت , و أنت تحب أن تطاع و أنت في ذلك تعصى , فكيف هذا يا رب . فأوحى الله تعالى اليه أني لا أسأل عما أفعل و هم يسألون , فانتهى موسى " . و روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال , قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو أراد الله تعالى أن لا يعصى , ما خلق ابليس " , ذكره البيهقي , انتهى . و قيل أجمع العبارات في معنى الكريم ما قيل هو الذي اذا قدر عفا و اذا وعد وفى و اذا أعطى زاد على منتهى الرجا و لا يبالي كم أعطى و لا لمن أعطى , و اذا رفعت حاجة الى غيره لا يرضى , و اذا جفي عاتب و ما استقصى , و لا يضيع من لاذ به و التجأ , و يغنيه عن الوسائل و الشفعاء , انتهى . قلت و هذا و ان كان مستغربا في حق العياد , فهو في حق اله تعالى لا غرابة فيه , فان الكرم الحقيقي له تعالى و هو الاسم , و ان كان مجازا في حق غيره , فهو في حقه تعالى حقيقة . ألم تر الى قوله تعالى " ما غرك بربك الكريم " , فهو تلقين الحجة عند الحاجة و الشدة , فلا يكون الجواب حينئذ الا كرمك ان شاء الله تعالى . و ان كان ذلك كذلك ألم تسمع الى قول حاتم الجود : مرحبا بمن تشفع بنا الينا , كما تقدم و الله أعلم . قوله , ما , أي عدد ذكر الله . الذكر لغة نقيض النسيان , و صيت و ثناء و شرف , و كذلك الذكرى و الذكرة . و أما عند الصوفية فهو التخلص من الغفلة و النسيان بدوام حضور القلب مع الحق تعالى . و قيل تردد اسم المذكور بالقلب , سواء في ذلك ذكر الله أو صفة من صفاته أو حكما من أحكامه , أو فعلا من أفعاله , أو استدلالا على شيء من ذلك , أو دعاء أو ذكر رسوله أو انبيائه أو من انتسب اليه أو تقرب اليه بوجه من الوجوه أو بسبب من الأسباب أو فعل من الأفعال , بنحو قراءة أو ذكر أو شعر أو غناء أو محاضرة أو حكاية . فالمتكلم ذاكر و المدرس ذاكر و المفتي ذاكر و الواعض ذاكر و المتفكر في عظمة الله تعالى و جلاله ذاكر والمتفكر في جبروته و آياته في أرضه و سمواته ذاكر و المتمثل ما أمر الله به و المنتهي عما نهى عنه ذاكر . و الذكر قد يكون باللسان و قد يكون بالجنان و قد يكون بأعضاء الانسان , و قد يكون بالاعلان و الاجهار و الاسرار , و الجامع لذلك كله ذاكر كامل .

فذكر اللسان هو ذكر الحروف بلا حضور و هو الذكر الظاهر , و له فضل عظيم شهدت به الآيات و الآثار و الأخبار . فمنه المقيد بالمكان أوالزمان , و منه المطلق . فالمقيد كالذكر في الصلاة و عقبها و الحج و فبل النوم و بعد اليقظة و قبل الأكل و عند ركوب الدابة و السفينة و طرفي النهار و غير ذلك . والمطلق ما لا يتقيد بزمان و لا بمكان و لا وقت و لا حال , فمنه ما هو ثناء عل الله تعالى كما في واحد من هذه الكلمات و هو : سبحان الله و الحمد لله و لا الاه الا الله و الله أكبر و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم . و منه ما هو ذكر فيه دعاء مثل : ربنا لا تآخذنا ان نسينا أو أخطأنا , الآية , و مناجاة . و كذلك " اللهم صل على سيدنا محمد " , و هو أشد تأثيرا في قلب المبتدء من الذكر الذي لا يتضمن المناجاة , لأن المناجي يشعر قلبه قرب من يناجيه و هو مما يأثر في قلبه و يلبسه الخشية . و منه ماهو ذكر فيه رعاية أو طلب دنياوي أو أخروي . فالرعاية مثل قولك الله معي , البله ناظر الي , الله يراني , فان فيه الرعاية المصلحة للقلب , فانه ذكر يستعمل لتقوية الحضور مع الله تعالى و حفظ الأدب معه , و التحرز من الغفلة و الاعتصام من الشيطان الرجيم , و حضور القلب في العبادات , قاله ابن عطاء الله في مفتاح الفلاح . فائدة : ما من ذكر الا و له نتيجة تخصه . فأي ذكر اشتغلت به أعطاك ما في قوته . و الذكر هو الهمة و الاستعداد , هو الداعي الى الفتح , و لكن بما يناسب الذاكر من الأسماء السبعة الجامعة الحاكمة , باعتبار طي الأنفس السبعة بها أيضا . فينبغي للذاكر أن لا يتحقق باسم منها  حتى يقف على علامة الاسم الذي قبله و يعلم ذلك باخبار الذاكر نصيحه بمنامه مع خاطره المكررين من مرتين فأكثر , سواء كانا محمودين أو مذمومين , بحيث لا يكتم عليه المذموم و لا يفرد المنام على الخاطر , كفقراء زمننا هذا لجهلهم بذلك , و لعدم مراعاتهم لسحائب الخواطر المترادفة على القلوب . و لقد أشرنا الى بعضها في الرحمانية , و سأتكلم عليها فيما يأتي ان شاء الله تعالى , ان دعت المناسبة الى ذلك و الله أعلم . و قوله على الدوام , على , معناها المصاحبة كقوله تعالى " و ان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " , أي مع ظلمهم . و الدوام معناه المواظبة و اللزوم و السكون , ومن الأخير " حديث لا يبولن أحدكم في الماء الدائم " , أي الساكن . و المعنى أحمد الله على ما أورثنا أبا عن أب من غير تكلف فضلا منه , و منة لا اله الا الله , و أدخلنا حصنها ليؤمننا من عذابه في الدنيا و في الآخرة , ثم أصلي و أسلم أبدا دائما ما دمت على النبي المنسوب لهاشم المسمى أحمد و على آله و صحبه الموصوفين بالكرم و الجود , عدد ما ذكر الله تعالى ذاكر على الدوام , أي اللزوم و المواظبة . و اختلف ابن عرفة و التلمساني , هل يحصل الثواب على عدد ما ذكره أو يحصل له ثواب صلاة واحدة . فقال ابن عرفة يحصل له أكثر من ثواب صلاة واحدة و أقل مما ذكر . و قال سعد ابن التلمساني يحصل له ثواب عدد ما ذكره , لأن فضل الله تعالى واسع و قدرة الله تعالى لا تعجز على شيء , و جاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عنده عظيم . قلت و قد صرح جميع أهل الحق و أهل الظاهر , و لعله أثر أ, حديث أو حديث قدسي , لو أن الله تعالى أعطى لواحد من خلقه ما يعطي لجميعهم ما نقص من ملكه الا كمقدار ما ينقص المخيط من البحر , أو كما قيل و الله أعلم . قال عفى الله عنه :

 

(  و بعد أن سألت يا  أواه               عن علم لا  اله  الا الله  )

 

بعد , ظرف زماني باعتبار النطق , و مكاني باعتبار الرقم . قال الجوهري : و بعد نقيض قبل , و هما اسمان يكونان ظرفين اذا أضيفا , و أصلهما الاضافة . فمتى حذفت المضاف اليه لعلم المخاطب بنيتهما على الظم ليعلم أنه مبني , انتهى . و تستعمل مقرونة بأما أو بالواو و لا يجوز الجمع بينهما , الا على جعل الواو استئنافية , و عند انفراد الواو تكون نائبة عن اما , فتكون في الحقيقة نائبة النائب و هو ما تضمنه اما , فيكون المعنى حينئذ أما بعد , مهمى يكن من شيء بعد البيملة و الحمدلة و ما معهما , فأقول لك كذا و كذا . فمهمى مبتدأ و الاسمية لازمة للمبتدا , و يكن شرط و الفاء لازمة له غالبا . فحين تضمنت أما بعد معنى الابتداء و الشرط , أي حلت محلها لحذفهما اختصارا لزمها الفاء غالبا , و لتضمن بعد معنى المضاف اليه . و لهذا بنيت فأما قائمت مقام شيئين , و بعد قام مقام الثالث و هو البسملة و الحمدلة و الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم لاقامة المضاف مقام المضاف اليه كثيرا في كلام العرب اختصارا كما تقدم . فهي حرف شرط و توكيد دائما و تفصيل غالبا , و يجب توسط جزء ما في خبرها بينها وبين الفاء , اما مبتدأ , نحو أما زيد , فمنطلق أو مفعول نحو فأما اليتيم فلا تقهر , و غير ذلك من ظرف أو حال لكراهة توالي لفظة أدات الشرط و الجزاء الموهم أن تلك الفاء عاطفة على مقدر , و الوقع ليس كذلك , بخلاف  ما اذا كان جوابها قولا , و أقيمت حكايته مقامه , فلا خلاف في جواز حذفها كثيرا نحو قوله تعالى " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم " , أي فيقال لهم أكفرتم , و أما اذا لم يكن الجواب قولا, فلا تحذف الا ندورا , نحو قوله عليه السلام " أما بعد فما بال رجال ....  " , الحديث , و الله أعلم . تنبيه , انما وجب بناء بعد عند حذف ما تضاف اليه ان كان معرفة , و نوي ثبوت معناه لشبهها حينئذ بحروف الافتقار و كانت على حركة ليدل على أصلها و هو الاعراب , و كانت ضمة جبرا لما فاتها من حذف المضاف اليه . و أما اذا ذكر المضاف اليه أو حذف و نوي ثبوت لفظه أو حذف و نو ثبوت معناه و كان نكرة أو حذف ولم ينو لفظه و لا معناه , فانها تعرب في تلك الأحوال الأربعة بالنصب على الظرفية أو الجر بمن خاصة . فائدة : العامل فيها . قال الدماميني انها منصوبة لفظا أو محلا , اما بفعل الشرط المحذوف الذي هو يكن , أو يوجد , و اما بلفظ اما , لنيابتها عن فعل الشرط . و الصحيح , كما قاله ابن جماعة , أنها جزء من الجواب , فتكون ممعمولة لما بعد الفاء . و حكم الاتيان ببعد في الخطب الاستحباب لانه صلى الله علي و سلم كان يأتي بها في الخطب و المكاتبات , و اختلف في من نطق بها أولا على أقوال سبعة : قيل يعرب ابن قحطان و قيل أيوب , و قيل يعقوب , و قيل سحبان , و قيل قس , و قيل كعب , و أقربها أنه داوود عليه السلام , و هي فصل الخطاب الذي أوتيه و قيل غيره . و جمع بين الأقوال بأن كل واحد أول باعتبار قومه , قاله النفراوي رحمه الله تعالى . و قوله " ان سألت يا أواه عن علم " , قال في القاموس سأله كذا و عن كذا و بكذا , بمعنى سؤالا و سؤلا و مسألة و بغير همز ما يسأله الانسان , و هو معنى الطلب , و الأواه الموقن أو الدعاء أو الرحيم أو الرفيق أو الفقيه أو المؤمن بالحبشية (قاموس) . و قال ابن جزى الأواه كثير الدعاء , و قيل كثير الذكر , و قيل كثير التأوه من خوف الله تعالى , انتهى . و قيل التأوه وهو التفجع الذي يكثر حتى ينطق الانيان معه بأوه , و من هذا قول المثقب العبدي :

 

اذا ما قمت أرحلها بليل            تأوه أهة الرجل الحزين

 

و يروى آهة . و روى بن المبارك في رقائقه بسند الى عبد الله بن شداد , قال : " قال رجل يا رسول الله ما الأواه , قال الأواه الخاشع الدعاء المتضرع " . قال سبحانه " ان ابراهيم لأواه حليمم " , انتهى . و قال في اللباب , الأواه هو الذي يسمع وجيف قلبه من خوف الله تعالى و الله أعلم . و المراد به في النظم صاحبنا و أخونا الولي الصالح الذاكر التقي نقيب حضرتنا سيدي محمد السياري , هو الذي سأل و طلب و حض و حرض على جمع رسالة فيما يتعلق ببعض علوم لا اله الا الله حين سمع و بلغه كثرة المعترضين ممن نسب الى العلم و غيره على بعض الاخوانن , بل على الكل , لتكون عدة , و الرجوع اليها عند كل شدة و الله الموفق للصواب و اليه المرجع و المئاب . و قوله , عن علم لا اله الا الله , أي عن بعض علم ما يتعلق بلا اله الا الله , و المراد به هنا الفصول الخمسة و الأربعون المتضمنة للسؤالات الخمسة و الأربعين أيضا , الآتي ذكرها ان شاء الله تعالى بعد , لقوله تعالى " غاعلم انه لا اله الا الله " . قال ابن جزي : و اسدل بعضهم بهذه الآية على النظر و العلم قبل العمل , لأنه قدم قوله فاعلم على قوله و استغفر , و لقوله عليه السلام " تعلموا العلم و علموه الناس " , رواه البيهقي . و لقوله عليه السلام أيضا " تعلموا اليقين " , رواه الدارقطني . و أخرج الديلمي في مسند الفردوس حديث " من تفقه في دين الله كفاه الله تعالى " . و كما وجب النطق بها أولا , وجب الالعلم بها أولا و اليقين ثانيا و التفقه ثالثا . و لا علم و لا يقين و لا فقه الا بلا اله الا الله , لأن من لم يعلم شيئا لا يتيقن به , ومن لا يتيقن به لا يتفقه فيه و الله أعلم . و لهذا حض صلى اللله عليه و سلم على العلم حتى قال لعلي رضي الله عنه , كما رواه غير واحد , " يا علي كن عالما أو متعلما أو مستمعا و لا تكن الرابع فتهلك , قال علي رضي الله عنه و من الرابع يا رسول الله , قال الذي لا يعلم و لا يتعلمم و لا يسأل العلماء عن أمر دينه و لا دنياه الا أنه هو الهالك , ثلاث مرات " , رواه الغزنوي في مقدمته . و من فضائل العلم ما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه , قال : " تعلموا العلم فان تعلمه حسنة و و طلبه عبادة و مذاكرته تسبيح و البحث عنه جهاد و تعليمه من لا يعلمه صدقة و بذله لأهله قربة , لأن العلم منازل أهل الجنة و هو المؤنس في الوحشة و الصاحب في الغربة و المحدث في الخلوة و الدليل على السراء و المعين على الضراء و الزين عند الخلاء و السلاح على الأعداء و الهادي الى الرشاد و الظهير رعند الموتو القرين في القبر و الشفيع في القيامة و القائد الى الجنة , يرفع اللهه به أقواما فيجعلهم للخير قادة و في الدين أئمة , تقتفى آثارهم و يقتدى بأفعالهم , يلهمه الله تعالى السعداء و يحرمه الأشقياء " , نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم و الفهم و يبلغنا منازل الأبرار و يحشرنا في زمرة الأخيار بحرمة لا اله الا الله و المستغفرين بالأسحار بفضله و كرمه , انه خير مأمول و أكرم مسئول . ثم قال عفا الله عنه :

 

(  فهاكه مفصلا جاء على               مثال خمس و أربعين سؤلا )

 

الفاء جواب شرط , متضمن اما النائب عنها , الواو في و بعد كما تقدم , و هاك بالكاف و بالهمزة المفتوحة مكان الكاف و ها بسكون الهمزة , مثل هع , بمعنى خذ , و الضمير على علم , الخ . و مفصلا حال من الضمير في هاكه مؤكدا بمصدر محذوف تقديره تفصيلا , أي مبينا فصلا فصلا على عدد ما يذكره بعده و هو اسم مفعول من المضعف . و التفصيل التبيين , و الفصل لغة الحاجز بين شيئين , و كل ملتقى عضمين في المفصل , و الحق من القول , و فطم المولود و القطع و غيره . و اصطلاحا اسم لطائفة من المسائل يشترك ما قبلها بما بعدها بخلاف الباب . و قوله جاء على مثال خمس و أربعين سؤلا , أي جاء تفصيل علم لا اله الا الله مبينا فصولا على عدد سؤالات خمس و أربعين سؤلا رفعت لبعض علماء أهل المغرب كما تقدم بيانه . و المثال المقدار و القصاص و صفة الشيء و الفراش و الجمع أمثلة , كذا في القاموس , أي جاءت الفصول على مقدار السءالات الخمسة و الأربعين . و قوله سؤلا , الألف بدل من الهاء لضرورة النص , فهو مصدر لسأل لأن سأل له خمسة مصادر . تقول سأل سؤالا و سؤلة بالسكون و مسألة و تساءلا و سؤلة بالتحريك . و قال العكبري, و رجل سؤلة أي كثير السؤال , و كذلك هذه الفصول , مما يجب كثرة السؤال عنها و الفحص و الاشتغال بها و البحث عنها لأنها سبب النجاة من النار و السلامة من غضب الجبار في هذه و تلك الدار , انتهى . و لما كانت السؤالات خمسة و أربعين سؤال , و كانت الفصول المتضمنة الجواب عليها كذلك , كانت هذه الرسالة مرتبة على خمسة و أربعين فصلا و مقدمة و خاتمة , ختم الله تعالى لنا و لقارئها و كاسبها و سامعها بحسن الخاتمة بمنه و جوده و كرمه و فضله , انه على ذلك قدير و بالاجابة جدير هو نعم المولى و نعم النصير , و لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .

و لما آن الكلام عن المقصود , وجب ذكر المقدمة الموعود بها فيما تقدم . قال تعالى " فاعلم أنه لا اله الا الله " . قال الجوزي لا اله الا الله في كل لسان و من لا ينوي بها نفي ما يجب نفيهه و اثباتت ما يجب اثباته , أي يقول له قل أي شيء أكبر شهادة , قل الله . مثل لا اله الا الله مثل دار السلطان , منها ما يدرك و منها ما لا يدخله الا الخاصة و منها ما لا يصل اليه الا خاصة الخاصة . كل انسان يقول لا اله الا الله , و الأرواح أجناد مجندة و الأطوار متغايرة , منهم من افترسه نفي لا , و منمهم من نجا في سفينة الاثبات , و أسعد الخلق من فهم لا اله الا الله . و اعلم أن اكسير الزيادة و كمياء السعادة و قاعدة كل قدم و حال و مقام و أس أصول دعائم الاحسان و الايمان و الاسلام , هو معرفة التوحيد المجرد عن اضافة التقييد المحفوظ عن تصميم التقليد الموصوف بعلم الأسماء و الصفات , المطلق المنزه عن حدوث طروق الآفات , الجامع لذكر معاني الألوهية , المشتمل على جملة لطائف الأسرار المعنوية , و هو أصل المعارف الدينية و محل العوارف اليقينية , لأن شرف العلوم على قدر شرف المعلوم , و شرف العالم على قدر شرف علمه , و لا شيء أشرف من الحق تعلاى و طلبه , و لا أشرف في الدنيا من معرفة الله تعالى و قربه , و لا شيء أشرف في الجنة من النظر الى وجهه , و كل علم موقوف على معلومهه , و شرفه بشرفه , و معرفة الله تعالى هي الغية القصوى و اللباب الأقصى و من أخذ من العلوم و الحكم أشرفها و أرفعها , و من المعاني صفوها و ألطفها و أنفعها , و فهم حكم باطن أمرها و علم حكم علانيتها و سرها , فقد تجوهر باطن قلبه و تمهد ظاهر أدبه و تسمى في الحقيقة انسانا و شاهد الحق عيانا و صار الخير بالذات في الأوصاف و الصفات صبغة الله تعالى ايمانا و يقينا و تبيانا . و لما جعلها الله تعالى حياة الدارين و نجاتهما , و سبب وجودهما , لقوله تعالى " أو من كان ميتا فأحييناه " , و لقوله عليه السلام " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله " , الخ . و قوله عليه السلام " قال الله تعالى : لا اله الا الله حصني " , الخ . و في الحديث , قال الله تعالى : " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف , فخلقت الخلق لأعرف , فبي عرفوني " . وجب التخلق بها بعد التعلق , ليفيد التخلق , و المراد به هنا الامتزاج الذي أشار اليه أهل الحق كالشيخ السنوسي و غيره , لأن حقيقة التخلق بالاسم هو يقوم العبد به على نحو ما يليق به , و لا يتأتى ذلك في الهيللة و اسم الجلالة الا أن يراد بذلك نزوله الى القلب و سيرانه في الجوارح , و الله أعلم . و حقيقة التحقق بالأسماء معرفة معانيها بالنسبة الى الحق تعالى و بالنسبة الى العبد , و حد التعلق افتقار العبد اليها مطلقا من حيث دلالتها على الذات الأقدس , انتهى . و اذا وجب التعلق والتحقق لما ذكر كما ذكر بالطريق الجسماني , وجب ذلك بالطريق الروحاني , لأن الروح أشرف من الجسد أبدا , و أن الله تعالى أخذ العهد على الأرواح , كما قال ابن سبعين : " أخذ الله تعالى العهد من الأرواح ثم غيبهم في الغيب , فلما أوجد الجسمانية و ربطها مع الأرواح الروحانية , فقررهم على العهد القديم و ذكرهم عليه , ثم ردهم الى الغيب في الأصلاب , ثم أبرزهم في الذر , فذكرهم بالعهد كما أخبر به تعالى بقوله " و اذ أخذ ربك من بني آدم " , الآية . ثم ردهم الى الأصلاب حتى يبرزهم الى عالم الشهادة , و نسي بهم العهد , ثم أخرجهم من ظلمات غيوب الأصلاب , و حرضهم على العهد , فمن نسي عهد الله تعالى انتقم منه بناره , و من أوفى بالعهد كان من أهل الجنة . قال تعالى : " أوفوا بعهدي أوفي بعهدكم " , و قال تعالى " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية " . قال البجاءي نفعنا اله به , قف على أن من نقض العهد ملعون , و يثمره ذلك قساوة القلب , نعوذ بالله . ثم قال " و جزائهم في الآخرة عذاب أليم " . قلت , و لعل من هذا قولهم من أخذ الورد و ترك , كمن آمن وارتد و العياذ بالله . و كان الشيخ نفعنا الله تعالى به دائما يقولها . ثم قال و لا زال سبحانه و تعالى يذكر العبد العهد حتى يصل الى الجنة , و ذلك أن العبد اذا مات ذكره بسؤال الملكين , و تمامه في كتاب الفراوصني . ثم قال , و الله تعالى خلق الخلق فمنهم صحيح و منهم سقيم , و منهم يطب و منهم سقيم لا يطب . لأنه لما خلق الله تعالى الخلق في الايجاد الأول ثم ردهم الى الأصلاب , ثم نقلهم من الأصلاب الى الأرحام , ثم من اللأرحام الى عالم الشهادة , فمنهم من ثبت شهوده على معرفته لديه في أخذ العهد , فهو صحيح ليس به أذى , و منهم من وقعت الفترة في شهوده , فصار فرقا عن حقيقة المعرفة , فهو سقيم من ذاته , فلا بد من دواء ينفي عنه داءه . و منهم من لم يرجع الى دواء ينفي به داءه و منهم من ليس له دواء و منهم موافقون مراد الله تعالى بهم . فأما الذين لا يطلبون فهم أهل الشمال , و أما الذين لا يرجعون الى دواء ينفون به داءهم فهم فهم الغافلون عن سلوك المقامات ليوفوا بالعهد . و منهم من اشتغل بنفي العلل بأنواع الأدوية , و منهم من عمته العلل , و منهم من خصص ببعض دون بعض , و لكل داء و دواء , لقوله عليه السلام : " الذي أنزل الداء أنزل الدواء " , و كل ذلك تجده في كتاب الله تعالى و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم , كقوله تعالى " و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين " .   و من علامة نسيان العهد ملاحظة الطاعة و نسيان الالذنوب , و طلب الجزاء و طلب الكرامات و محبة نعيم الجنة وو الحور الحسان , اذ لو علم أنه مسلوب ما طلب من ذلك شيئا , و ذلك أن الله تعالى خلق الخلق و خلق لهم الأرزاق و أضاف لهم الأموال و النفوس , لقوله تعالى " تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم " , لأن الله تعالى علم أن ما عند الانسان أعز عليه من نفسه و ماله , فسلب المؤمنينن في العهد الأول  في أموالهم و أنفسهم ليكون هو محبوبهم و معروفهم و معبودهم , و المال ماله و العبيد عبيده , و لكن أراد أن يسلب أهل وداده عن غيرهم ثم سلبهم عن أنفسهم بقوله تعالى " ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم " , الآية . فأخذ عنهم العهد و الميثاق على ذلك , لقوله تعالى  " و أوفوا بالعهد " , الآية . ثم ردهم الى الأصلاب حتى ردهم الى عالم الشهادة , فنسيت طائفة العهد و المواثيق , و ثبتت طائفة على البيع و دفعوا ما باعوا , و ظهرت سريرة ما اشتروا . فمنهم الموقنون الباقون على العهد و المواثيق , و هم أهل محبة الله تعالى . فالمحب لا يقول نفسي , و العارف لا يقول لي , فان كل عارف مسلوب الاختيار , أي عن اختياره و تدبيره و حقوقه . فهؤلاء هم الأصحاء الذين تقدم ذكرهم . فهم لا يحتاجون الى المعالجة من السلوك في المقامات , لأنه اذا أراد السلوك في المقامات , فيكون كالمستضيء بضياء السراج مع ضياء الشمس , فانه لا يظهر ضياء السراج الا مع ظلمة فترة العقل عن حقائق المعارف , و انما يسلك اذا أراد الله تعالى الاقتداء به , و يقتفي الناس أثره , فيكون سلوكه في حق المتبعين أثره , و ان لم يظهر عليه السلوك في المقامات , فهو بين الخلق غريب لا يوصف . فانهم لا يعرفون الا من ظهر في علاج المقاماتت و خفي عنهم أهل الحقائق . و لكن يظهر الله تعالى من أراد أن يظهره للخلق , أنتهى . اذا علمت ذلك , فاعلم أن العهد انما هو تذكير العهد القديم , و أصله بيعة الرضوان , قال تعالى :" لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة " , و كذلك حديث عبادة ابن الصامت , و هو " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا و لا تسرقوا " , الخ  الحديث , و قوله تعالى " اذا جاءك المؤمنات يبايعنك " , الآية . و بايع صلى الله عليه و سلم نساءه و بناته , و بين سبحانه الذي وقعت المبايعة عليه بقوله تعالى " يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا و لا يسرقن و لا يزنين و لا يقتلن أولادهن و لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن " , و الخاتمة , " و لا يعصينك في معروف " , فكان ذلك سنة أهل التصوف رضوان الله تعالى عنهم , لمن خصصه الله تعالى بتحريكه لسلوك طريق الأخرة بخطرة سماوية من الله تعالى و توفيق خاص الاهي . فانه أول ما ينتبه العبد للعبادة بهذه الخطرة الشريفة , و هي المعنية بقوله تعالى " أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه " . قال الغزالي و اليه أشار صاحب الشرع صلوات الله عليه و سلامه بقوله " ان النور اذا دخل القلب انفسح و انشرح , فقيل يا رسول الله , هل لذلك من علامة يعرف بها , فقال , لتجافي عن دار الغرور و الانابة الى دار الالخلود و الاستعداد للموت قبل نزول الفوت" , انتهى . و الطريق الروحاني انما يسلك بأخذ العهد و التلقين . فالعهد لغة , التزام شيء ليوفي به في المستقبل , حقا كان أو باطلا . و منه تعاهدت بنوا فلان على كذا . و شرعا التزام قربة دينية كما تقدمو شرطه كمال الشيخ و انقياد المريد ووجود التسليك كما تقدم بمعناه , و أما التلقين لغة , التفهيم و شرعا ما فعله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في كلمة الشهادة و هو ما رواه الطبراني و غيرد و البزار من أن النبي صلى الله عليه و سلم لقن أصحابه كلمة لا اله الا الله جماعة و فرادى بعد أن سبق تكرارها منهم منذ أسلموا الى ذلك الوقت . فأما تلقينه صلى الله عليه و سلم جماعة , فقد قال شداد بن أوس رضي الله عنه : " كنا عند النبي صلى الله عليه و سلم , فقال : " هل فيكم غريب " , يعني من أهل الكتاب , قلنا : " لا يا رسول الله " , فأمر صلى الله عليه وسلم بغلق الباب و قال : " ارفعوا أيديكم و قولوا لا اله الا الله " , فرفعنا أيدينا و قلنا لا اله الا الله , ثم قال : " اللهم أنت بعثتني بهذه الكلمة و أمرتني بها و وعدتني عليها الجنة , انك لا تخلف الميعاد " , ثم قال : " ابشروا فان الله غفر لكم " . و أما تلقينه لأصحابه صلى الله عليه و سلم فرادى , فقد روي أن عليا بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه , قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم , فقلت , يا رسول الله دلني على أقرب الطرق الى الله تعالى و أسهلها علي عبادة , و أفضلها عند الله تعالى , فقال : " يا علي عليك بمداومة ذكر الله تعالى سرا و جهرا " , و في رواية " في الخلوة " , فقال علي : " كل الناس ذاكرون يا رسول الله , و انما أريد أن تخصني بشيء " , فقال النبي عليه الصلات و السلام : " مه يا علي , أفضل ما قلته أنا و النبيئون من قبلي لا اله الا الله , و لو أن السماوات السبع و الأرضين السبع في كفة و لا اله الا الله في كفة , لرجحت لا اله الا الله " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يا علي لا تقوم الساعة و على وجه الأرض من يقول الله الله " , ثم قال علي رضي الله عنه : " كيف أذكر يا رسول الله " . قال صلى الله عليه و سلم : " غمض عينيك و اسمع مني ثلاث مرات , ثم قل أنت ثلاث مرات لا اله الله و أنا أسمع " , ثم رفع رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيه و مد صوته و هو مغمض عينيه و قال لا اله الا الله ثلاث مرات و علي يسمع , ثم ان عليا رفع رأيه و مد صوته و هو مغمض عينيه و قال لا اله الا الله ثلاث مرات و النبي صلى الله عليه و سلم يسمع , و هذا أصل التلقين عن الصحابة , عن الحضرة النبوية , عن الحضرة الجبريلية , عن حضرة رب العزة جل جلاله و عم نواله , و الصحابة رضي الله عنهم التابعين , و التابعون عنهم تابعي التابعين , و هكذا تابعوهم الى المشائخ العارفين و التلاميذ المريدين . و لو لا خيفة التطويل المؤدي الى السآمة و الملل , لذكرت نسبنا الروحاني من الأستاذ العارف بالله قطب زمانه و فريد عصره و أوانه , شيخنا و وسيلتنا سيدي محمد ابن عبد الرحمان الأزهري الى الحضرة النبوية الى الحضرة الجبريلية الى حضرة رب العزة جل جلاله و عم فضله و جوده و نواله , كما أشرنا الى ذلك في الرحمانية . و لما كان النظم محتويا على معاني ما يخص الجلالة من حيث النطق و ما يتعلق به , ناسب أن نذكر في المقدمة المعاني التي تخصها من جهة تلقيها الروحاني كما ذكرنا تلقيها الجسماني , لقول عيسى عليه السلام : " ليس منا من لم يولد مرتين " . و قال عليه السلام : " لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين " . فبالولادة الأولى له ارتباط بعالم الملك و بهذه الولادة يصير له ارتباط بالملكوت . قال تعالى : " و كذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات و الأرض و ليكون من الموقنين " . و صرف اليقين على الكمال يحصل في هذه الولادة , و بهذه الولادة يستحق ميراث الأنبياء . و من لم يصله ميراث الأنبياء ما ولد و ان كان على كمال من الفطنة و الذكاء , الخ . قاله السهروردي في العوارف , و تمامه فيه فانظره . و لهذا قال تعالى : " فاعلم أنه لا اله الا الله " , خاطب امام الحضرة بالعلم دون المعرفة لشرفيته عليها و لكونهه حجة دونها . قال الجنيد :" العلم أرفع و أكمل و أتم من المعرفة و لأنه يحصل به اظهار الربوبية دون غيره " . ثم قال في العوارف : " الملك ظاهر الكون و الملكوت باطنه , و العقل لسان الروح و البصيرة قلب الروح و اللسان ترجمان القلب , و من البصيرة التي هي قلب الروح تنبعث أشعة الهداية . و لهذا حرم الوقوف مع مجرد العقول الخالية عن نور الهداية المنبعث من قلب الروح المسمى بالبصيرة عند أهل الحق تعالى بالمعنى . و هو موهبة الله تعالى عند الأنبياء و أتباعهم . الصواب , و كما أن في الولادة الطبيعية ذرات الأولاد في أصلاب الآباء منتقلة من آدم عليه السلام الى أولاده على حسب ما قدر الله تعالى في الأزل , كذلك الولادة الروحانية . فمن الأنبياء عليهم الصلات و السلام من أتباعه كثيرة و منهم من أتباعه قليلة , و على ذلك المشائخ رضي الله عنهم , منهم من أتباعه كثيرة , الذين يأخذون عنه العلوم و الأحوال و يؤدونها غيرهم كما وصلت اليهم . و منهم من أتباعه قليلة و منهم من هو عقيم . و هذا النسل هو الذي رد الله به على الكفار حيث قالوا محمد أبتر لا نسل له . قال الله تعالى ردا عليهم : " ان شانئك هو الأبتر " . فكان صلى الله عليه و سلم نسله الروحاني و الجسماني باق الى أن تقوم الساعة , و بيان ذلك , قال عليه السلام : " لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم الى أن تقوم الساعة " , أو كما قال . هذا نسله الروحاني , و أما الجسماني , فقد اتفق أهل الحق على أن كل طائفة لا بد لها من قطب , و أجمعوا أن القطب لا يكون الا من نسله صلى الله عليه و سلم كما ذكره غير واحد و الله أعلم , انتهى . ابتداء ذكر المقصود , قال عفى الله عنه :

 

( معناها شرط أدب اعرابها                تلاوة ما فضلها تكرارها )

 

اشتمل البيت على سبعة متضمنة جواب سبع سؤالات . الأول في معناها و الثاني في شرطها و الثالث في أدبها و الرابع في اعرابها و الخامس في تلاوتها و السادس في فضلها و السابع في تكرارها . السؤال الأول عن معناها , فالضمير في قوله معناها عائد على لا اله الا الله , المذكور بقوله و بعد أن سألأت يا أواه عن علم لا اله الا الله (الفصل الأول ) في معناها , فمعنى لا اله الا الله نفي الألوهية عن غيره سبحانه و تعالى , و اثباتها لله تعالى . و الألوهية صفة جامعة لسائر الكمالات , مانعة عن جميع النقائص و الآفات , ما علم منها و ما لم يعلم . و منها , أي مما يندرج في الألوهية ما يجب على كل المكلف معرفته مما يجب في حق مولانا جل و عز , و ما يستحيل عليه و ما  يجوز , و كذلك في حق رسله عليهم الصلات و السلام , و هي الستة و الستون عقيدة التي تجب على كل مكلف معرفتها , و الا لم يسلم من خلل في ايمانه , بأقرب طريق و أسهلها ان شاء الله تعالى و لهذا قال بعضهم : " تعجبت من الشيخ , يعني به سيدي محمد السنوسي , حيث ذهب الى الاستنباط الغريب و ترك القريب مع القطع بعلمه به , و قد يجاب عنه بأن حصول التعب و استعمال التدقيق زيادة في الأجر , لقوله عليه السلام : " أفضل العبادة أحمزها و أجرك على قدر تعبك " . و اعلم أنه نقل الشيخ السنوسي , نفعنا الله تعالى به , عن علماء بجاية كفر من لم يعرف معناها , و عدم انقاذه من الخلود في النار . و معناه من لم يعلم منها الوحدانية و نفي الألوهية عن غير الله تعالى و اثباتها له , و ان كان يصوم و يفعل سائر أركان الاسلام الا أنه لا يعرف الرسول من المرسل كما هو معلوم في فتاواهم , تصريحا بهذا المعنى , حتى أنهم بالغوا و جعلوه كالمجوسي في جميع أحكامه , الا القتل . فلا نكاح له كما لا طلاق . فيعلم الدين و يتزوج من حرمها و غير ذلك من احكام المجوس . و المراد بمعناها , الوحدانية كما تقدم , لا اندراج العقائد المذكورة . لأن الشيخ صرح بأنه لم يسبق بهذا الاستنباط , و لهذا قال في الجوهر الخاص , معناها نفي الألوهية عن ما سوى الله تعالى و اثبات الوحدانية له تعالى , و نفي الشريك عنه لأنن الشريك في الشاهد عيب و هو نقصان في التصرف , فيكون عيبا في الغئب ضرورة . و كل ما كان عيبا لا يليق بالألوهية , بل يجب نفيه عنها قولا و اعتقادا . بل اتيانه للواجب بالذات محال و ما يلزم من فرض وجوده محال فلا يوجد . قال تعالى : " قل هو الله أحد " , و قال تعالى : " لا تتخذوا الاهين اثنين انما هو اله واحد " , و قال تعالى : " فاعلم أنه لا اله الا الله " , و قال تعالى : " لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا " , و قال صلى الله عليه و سلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله " , الحديث . و قال صلى الله عليه و سلم : " أفضل ما قلته أنا و قاله النبيئون من قبلي لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد و هو على كل شيء قدير " . ثم اعلم أن هذه الكلمة الشريفة احتوت على نفي و اثبات . فالمنفي بلا كل فرد من أفراد حقيقة الا الله غير الله تعالى , و المثبت من تلك الحقيقة فرد واحد و هو الله تعالى . و أتي بالا لقصر حقيقة الا الله عليه تعالى , بمعنى أنه لا يمكن أن توجد تلك الحقيقة لغيره تعالى عقلا و شرعا . و حقيقة الا الله , هو واجب الوجود , مستحق للعبادة . و لا شك أن هذا المعنى كلي , أي يقبل بحسب مجرد ادراك معناه أن يصدق على كثيرين , لكن البرهان دل على استحالة التعدد فيه , و أن معناه خاص بالله تعالى , و الاسم الذي بعد الاستثناء ليس هو بمعنى الا الله , فيكون كليا , بل هو جزءي علم على ذات مولانا جل و عز , لا يقبل التعدد ذهنا و لا خارجا , ولو كان الله تعالى بمعنى الا الله , لزم استثناء الشيء من نفسه و لزم أن لا يحصل توحيد من هذه الكلمة . و كذلك لو كان معنى الا الله جزئيا مثل الاسم المعظم , لزم أيضا استثناء الشيء من نفسه و لزم التناقض في الكلام باثبات الشيء و نفيه . و الحاصل أن المعاني المقدرة في هذه الكلمة عقلا باعتبار المستثنى منه و المستثنى أربعة . ثلاثة منها باطلة  , و هي أن يكونا جزئيين أو كليين أو الأول جزئيا و الثاني كليا . و الرابع , و هو أن يكون الأول كليا و الثاني جزئيا , و ينقسم الى قسمين . أحدهما باطل , وهو أن يكون المراد بالأول مطلق المعبود , لما يلزم عليه من الكذب لكثرة المعبودات بالباطل . و الآخر صحيح , و هو أن يكون المراد بالا الله المعبود بحق . و الاسم علم للفرد الموجود منه , فالمعنى على هذا لا مستحق للعبودية موجود أو في الوجود الا الفرد الذي هو خالق العالم جل و علا . و ان شئت , قلت في معنى الا الله , هو المستثنى عن كل ما سواه , المفتقر اليه كل من عداه , و هو أظهر من المعنى الأول و أقرب منه , و هو أصل له . لا يستحق أن يعبد و يذل له كل شيء الا اذا كان مستغنيا عن كل ما سواه , مفتقرا اليه كل ما عداه , فظهر أن العبارة الثانية أحسن من الأولى , بها يتجلى اندراج كل العقائد المذكورة تحت هذه الكلمة , و يتسع بها صدر المؤمن لفيضان المعارف , و يكون على ساحل النجاة . و لهذا اختار بعضهم في عقائد الايمان تفسير الا الله , أنه المستثنى عن كل ما سواه المفتقر اليه كل من عداه . اما استغنائه عن كل ما سواه تعالى , فيوجب له الوجود و القدم و البقاء و المخالفة لجميع الحوادث من كل وجه , و قيمه تعالى بنفسه . و تنزيهه تعالى عن النقائص , يوجب له تعالى السمع و البصر و الكلام و لوازمهما , أي كونه تعالى سميعا بصيرا متكلما . فهي أحدى عشرة صفة من الواجبات , أخذت من الاستغناء الذي هو ظهور عدم احتياجه للخلق بعد كونهم . لا أنه الاستغناء الذي هو القيام بالنفس لصعوبة استلزام الشيء نفسه , و ما يحكى من الأجوبة من كون الاستغناء ثبوتيا و القيام بالنفس عدمي عدم ساقطا لا يلتفت اليه قائله أبو البركات الشيخ يحيى الشاوي في حاشيته على الصغرى . و أضدادها مثلها , فهي اثنان و عشرونن , لأنه كلما وجبت له تعالى صفة , الا استحال عليه ضدها . و قد علم , الواجب هو الذي لا يتصور في العقل عدمه , و المستحيل هو الذي لا يتصور في العقل وجوده , و الجائز ما يصح في العقل وجوده و عدمه . و يوجب له مما يجوز في حقه تعالى , أي اتصافه بالألوهية التي هي استغنائه عن كل ما سواه جواز الفعل , أي لا يجب عليه تعالى فعل شيء و لا تركه , و انتفاء الغرض فيه , و هو أي الغرض جلب المصلحة و دفع المضرة , و نفي التأثر بالقوة كالاحراق للنار , و الاشباع للطعام , و الري و الانبات للماء و غيره . و في كفر اعتقاد تأثير قوة أودعها الله تعالى في هذه الأشياء و نحوها حلاف , و لا خلاف في بدعته , قاله ابن دهاق . فاذا أثبت له تعالى جواز الفعل و انتفاء الغرض فيه , و انتفاء تأثير معه بقوته , انتفت أضدادها و هي وجوب الفعل و ثبوت الغرض و التأثير بالقوة , فهي ستة الى اثنين و عشرين المتقدمة . فهي ثمانية و عشرون صفة التي لا يكون الغني غنيا الا بها , ما بين واجب و مستحيل و جائز . و أما افتقار كل ما عداه اليه فهو يوجب له تعالى الوحدانية و صفات الفعل وما تتوقف عليه , و المجموع ثمانية و هي القدرة و الالارادة و العلم و الحياة و لوازمها , و هي كونه قادرا و مريدا و عالما و حيا . فهذه تسع و أضدادها مثلها , فالمجموع ثمانية عشر صفة . و من الجائز حدوث العالم بأسره , و نفي التأثير بالطبع , و مقابلها المجموع أربعة الى الثمانية عشر اثنان و عشرون صفة ما بين واجب و مستحيل و جائز الى الثمانية و العشرين المأخوذة من الاستغناء , فالمجموع خمسونن عقيدة . (تنبيه) الفرق بين التأثير بالطبع و التأثير بالقوة , فالثاني ما توقف على وجود شرط , و انتفاء مانع . و الأول لا يتوقف على ذلك , فان الطبع لا يتخلف عن المطبوع و لا على وجود شرط كالحطب بالنسبة الى النار , و لا على انتفاء مانع كوجود بلل بالحطب , بخلاف القوة , فانه يتوقف على وجود حطب في صحة العمل و انتفاء بلل و كلاهما باطلان . فالكفر بالأول و الخلاف بالثاني كما تقدم , و الذي عليه قاطبة أهل السنة و الجماعة , انما هو , يخلق الله تعالى عند المقارنة فقط لا بطبع ولا بقوة أودعها الله فيها , و هذا الذي يجب اعتقاده و الله أعلم . و ست عشرة عقيدة في محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم , المجموع ست و ستون عقيدة في قولنا لا اله الا الله فقط , و بيان ذلك أننا اذا قلنا لا اله الا الله , يستلزم تصديق رسالة سيدنا محمد رسول الله , و تصديق رسالته صلى الله عليه و سلم . و معنى قولنا محمد رسول الله , لأنه صلى الله عليه و سلم هو الذي جاء بها و علمنا اياها . و قد نقل العلامة البجائي عن سيدي يوسف العجمي في قوله بعد كلام , أنه اعترض على انفراد لا اله الا الله دون محمد رسول الله . اجاب أن محمدا رسول الله اقرار و الاقرار يكفي مرة واحدة في العمر , مع أن قول العبد لا اله الا الله , لقول الرسول , هو عين اثبات رسالة. و لهذا قال صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله " , و لم يقل محمد رسول الله , لتضمن هذه الشهادة بالرسالة , انتهى كلامه رحمه الله . فتبين به ما ذكرناه , و كان الأستاذ , رحمه الله تعالى , اذا سئل عن انفراد لا اله الا الله , يقول محمد رسول الله في جوفها . فاذا كان ذلك كذلك , فيأخذ من قولنا محمد رسول الله الايمان بسائر الأنبياء و الملائكة عليهم الصلات و السلام , و الكتب السماوية و اليوم الآخر , لأنه صلى الله عليه و سلم جاء بتصديق جميع ذلك , و انما قلنا ذلك باستلزام الصدق , الأمانة و التبليغ . لأن المبالغة في الصدق تورث التصديق , و المبالغة في التصديق تورث التحقيق , و الصدق في اللسان و التصديق في القلب و التحقيق في الجوارح , و هو معنى الصدق و الأمانة و التبليغ , و يأخذ منه أيضا وجوب صدق الرسل عليهم الصلات و السلام , و هو يستلزم وجوب الأمانة و هي تستلزم وجوب التبليغ منهم للخلق عليهم الصلات و السلام . و يأخذ منه أيضا , جواز الأعراض البشرية , فهذه ثمانية و أضدادها مثلها , فالمجموع ست عشرة عقيدة في قولنا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم , وما بين واجب و مستحيل و جائز في حقهم , عليهم الصلات و السلام , فاذا جمعناها مع الخمسين , كان العدد الحصل مما يدخل في الكلمة المشرفة ستا و ستين عقيدة   . و قد نظمها شيخنا العارف بالله تعالى , سيدي الطيب بن باباس , حين شرح الصغرى و جمع بين حاشية السكتاني , و شرح بن مزيان جمعا عجيبا مع زيادة , يعرف قدره من وقف عليه , فقال :

 

مفاد صدرها  لدا  كل فطن              غناؤه عنا بلا عكس يبن

لذاك ها سبك جواز  الصنع              و نفي تأثير بغير  الطبع

وغرض لذا المعاني الأربعه             و وحدة و لازم  للأربعه

 

فهذه خمسون عقيدة في لا اله الا الله , و قلت في محمد صلى الله عليه و سلم :

 

و عجز دال  وجوب  صدق              جواز اعراض لهم بخلق

 

فهذه ستةعشر الى الخمسين , فهي ستة و ستون و هو عدد نقط اسم الله تعالى الذي هو الاسم الأعظم الجامع لجميع أسمائه تعالى , ما علم منها و ما لم يعلم . فاذا شفعته بمثله كان مائة و اثنين و ثلاثين و هو عدد اسم محمد صلى الله عليه و سلم و في هذين العددين أسرار و أنوار يعلمها أهلها , منحنا الله تعالى من ذلك بمنه و فضله . (تنبيه) ان كثيرا من العلماء تولعوا بهذا الاستنباط , فكل على قدر مشربه , فبعضهم , كالمقترح استنبط ذلك من الباقيات الصالحات , و فيه وضع الأسرار العقلية في الكلمات النبوية , و القاضي عياض استنبط من الكلمة المشرفة , لكن لا على هذا الوجه الغريب الذي ذكره الشيخ سيدي محمد السنوسي . و بعضهم استنبط من بسم الله , و بعضهم أخذ العقائد من مجموع الكلمتين , أعني لا اله الا الله محمد رسول الله , كالشمني في جزء لطيف , و لو لا خوف الاطالة التي تفضي الى السئامة لذكرت كيفية استنباط كل , و العبد الضعيف سلك مسلكا يظهر أنه أقرب من الجميع , بحيث لا يعجز عنه الضعيف و لا القوي , و خصوصا عند الموت ان شاء الله تعالى بمنه . و سائر الدواهيالعظام و هو استخراج جميع العقائد التي تجب على المكلف معرفتها من لا اله الا الله , كما تقدم , ثم فتح الله تعالى ما هو أقرب منها و هو من اسم الجلالة فقط , الذي هو الله . و بيان ذلك أن الاسم الأعظم فيه لامان و ألفان و هاء . فاللم الأولى , لام الاستغناء و الثانية لام الافتقار اليه , فيكون الغني المفتقر اليه , و هذا معنى الألوهية الجامع لسائر العقائد التي يجب معرفتها . و كيفية استخراج ذلك و استنطاقه أن اللام عددها ثلاثون , فاذا ضربتها في نفسها كان تسعمائة , ثم تضرب اللم في اثنين التي هي مرتبتها لأنها في المرتبة الثانية بالنسبة الى الألف , فالمجموع ستون و تسعمائة , و هو عدد اسمه تعالى غني . ثم تفضي الى اللام الثانية و هي في المرتبة الثالثة بالنسبة الى الألف , كما تقدم , فاعتبرت في محلها و تقدمها مرتبتين , أعني صفرين , كانت بثلاثمائة , ثم اضرب اللام في ثلاثة التي هي مرتبتها , لأنها في المرتبة الثالثة , بتسعين , فضمها الى الثلاثمائة , فالمجموع ثلاثمائة و تسعون و هي عدد فقير . و لذا قلنا الام الأولى لام الغنى و الثانية لام الافتقار كما تقدم . ثم تأخذ الهمزة و تسندها الى اللام و تأتي بألف المد بعد تبديله ياء لاضافته الى الهاء المكسورة للمناسبة , فيكون فقيرا اليه , فاذا كان معنى الله الغني الفقير اليه , و هو معنى الألوهية التي هي معنى لا اله الا الله , المتضمنة لمحمد رسول كما تقدم , كان قول القائل الله متضمنا رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم , للحديث السابق ذكره , و لجواب سيدي يوسف العجمي . و لذا قالوا أن كلمة الله تعالى تكفي عن لا اله الا الله لمن تأهل لها بعد الاسلام . و لما كان ذلك كذلك , كانت العقائد التي يجب على المكلف معرفتها في حق الله تعالى و في حق رسله عليهم الضلات و السلام ستاو ستين على عدد اسمه تعالى الله , و فيه اشارة الى أنه لا يعرف الله الا من عرف الست و الستين عقيدة , و هنا اشارات و أسرار لا تفي بها العبارة . فمن جد وجد , و ما ذلك على الله بعزيز , انه على كل شيء قدير . و في الحديث , قال الله تعالى : " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف , فبي عرفوني " .     الباء لمحمد صلى الله عليه و سلم , لأنك اذا شفعت عدد اسم الله تعالى بمثله , كان عدد محمد ¸  صلى الله عليه و سلم  . فاهم و اغتنم وادع بخير و الحمد لله رب العالمين . (رجع) قال في الجوهر الخاص تحقيق : انما دخل في هذه الكلمة النفي لتحقيق الاثبات , فان قولك لا صديق لي الا أنت , أشد تحقيقا من قولك أنت صديقي , فمعناه نفي ما يستحيل أن يكون الاها و هو كل الاه يفرض دونه , و اثبات ما يستحيل فقده , و هو الله سبحانه و تعالى . (لطيفة ) لماذا قدم النفي على الاثبات في كلمة التوحيد . قال بعض العارفين بالله تعالى , لأن النفي بلا يجري مجرى الطهارة , و الاثبات بالا يجري مجرى الصلات , و الطهارة مقدمة على الصلات , فوجب تقديم لا اله على الا الله . و أيضا من أراد أن يطلب السلطان في بيته , وجب عليه أن يقدم طهارة البيت . (بيان ) الناس في هذه الكلمة على طبقات : الأولى , و هو أدناها , من قالها لحفظ دمهه و ماله . قال صلى الله عليه وسلم " فاذا قالوها عصموا " , الخ , الحديث . و يدخل في هذا المنافق . الثانية : الذي ضم الى قولها الاعتقاد القلبي على سبيل التقليد الجازم , فتحصل لهم السعادة في العقبى . الثالثة : الذي ضمم معرفة الدلائل الى الاعتقاد بالقلب , و لكن لم تبلغ درجته الى الدلائل  اليقينية , الا أنه لم يكن من أهل المشاهدة و المكاشفة و أصحاب التجلي . الرابعة : طائفة خصوا بالمكاشفات و المشاهدات , و خصوا بالتجليات , و ذلك أن مرتبة اللسان مرتبة واحدة , و أما مرتبة القلب متنوعة , منحنا الله تعالى و اياكم من فوائد هذه الكلمة ما تقصر عنه العبارة و لا تحصره الاشارة , آمين , انتهى و الله أعلم . (الفصل الثاني ) في شرطها , فشرطها جزم القلب بمعناها و هو توحيده تعالى , و جزم القلب بذلك من غير تردد و لا شك ولا هم , و هو اثبات القدم له  وحده و نفي الحدوث عنه , كما قال الجنيد رضي الله عنه , كذا في الجوهر الخاص . قلت هذا شرط أداء , و أما شرط وجوبها , العقل و التمييز و سلامة حاسة النطق و بلوغ الدعوى , لتصريحهم بأن الصبي و المجنون أنها تجب عليهما تبعا . أما الصبي فباسلام أحد أبويه , و أما المجنون فيتبع وليه , و الخلاف فيمن لم تبلغه دعوة نبيء كما هو معلوم في محله . و كذا الأخرص الذي لم يحرك لسانه بها , و الله أعلم هل يكفيه العلم بها أم لا . و لهذا جرى الخلاف , هل النطق بها شرط في صحة الايمان الذي محله القلب , أو هو شطر أو ليس بشرط و لا شطر . أقوال ثلاثة : فعلى القول أنها شرط لا يصح الايمان الا بالنطق بها في حق القادر دون العاجز , لأن حقيقة الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم , فيلزم من عدم النطق بها عدم صحة الايمان . و أما مع العجز فيكفيه التصديق بالقلب , و العجز يكون بمفاجئات الموت و نحوها , كالمكره , بدليل قوله تعالى " الا من أكره و قلبه مطمئن بالايمان " , أي قبل النطق بها , و هذا هو المشهور من الأقوال . و أما على القول بأنها شطر من الايمان فلا يصح الا بها مطلقا , أي في حق القادر و العاجز , لأن الايمان عنده مركب من جزئين , من النطق و التصديق و الماهية المركبة , اذا بطل جزئها بطل جميعها. و على القول بأنها ليست بشرط و لا بشطر , فيصح الايمان بدونها , أي بدون النطق بها مطلقا , أي في حق القادر و العاجز , و هذه الأقوال كلها في حق الكافر . و أما المؤمن بالأصالة , فتجب عليه مرة في عمره , فان ترك نية الوجوب فهو عاص و ايمانه صحيح , انتهى و الله أعلم . ثم يشترط في حقه , أي شرط كمال الاكثار من ذكرها و الوقوف على معناها لينتفع بها دنيا و أخرى . فائدة : قال في اللباب ناقلا عن ابن عطاء الله : " يحتاج قائل لا اله الا الله الى أربعة أشياء , تصديق و تعظيم و حلاوة و حرمة . فمن لا تصديق له فهو منافق و ان قالها , و من لا تعظيم له فهو مبتدع و ان قالها , و لم تجتمع هذه الخصال بكمالها الا في رسول الله صلى الله عليه و سلم و انتهى والله أعلم . الفصل الثالث المتظمن للسؤال الثالث في أدبها : الأدب في لغة الظرف و حسن التناول قاموسا و اصطلاحا , كما في العوارف , هو تهذيب الظاهر و الباطن لقوله عليه الصلات و السلام " أدبني ربي فأحسن تأديبي " . و اعلم أن بالأدب يفهم العلم , و بالعلم يصح العمل , و بالعمل تنال الحكمة . و قال النووي : " أدب الشريعة حلية الظاهر فلا يباح تعطيل الجوارح من التحلي بالأدب " . و قال ابن المبارك : " أدب الخدمة أعز من الخدمة " . و قيل الأدب رعاية كل مقام , و قيل هو رعاية الأعدل قولا و فعلا . و عن العارف ابن سلام : " ربما كنت بحذاء الكعبة أستلقي و أمد رجلي , فجائتني العارفة عائشة المكية , فقالت : " يا أبى عبيد انك من أهل العلم , اقبل مني كلمة , لا تجالسه الا بالأدب , و الا فيمحو اسمك من ديوان القرب " . و في العوارف عن بعضهم , " ما أساء أحد الأدب في الظاهر الا عوقب ظاهرا , و لا في البطن الا عوقب باطنا " . و عن السري السقطي : " مددت رجلي ليلة في المحراب , فنوديت ما هكذا تجالس الملوك , فظممتها ثم قلت , و عزتك لا مددت رجلي أبدا " . قال الجنيد : " فبقي ستين سنة ما مدها ليلا و لا نهارا " . و قال ابن المبارك : " من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن , و من تهاون بها , عوقب بحرمان الفرائض , و من تهاون بها عوقب بحرمان المعرفة , فاذا كان ذلك كذلك , فيجب على المريد الادب و خصوصا في أفضل العبادات التي هي الذكر , و في أفضل الاذكار الذي هو لا اله الا الله , لقوله عليه السلام " أفضل ما قلته أنا و النبيئون من قبلي " , الحديث . فأدبها كما في الجوهر الخاص و غيره عشرون أدبا . منها خمسة سابقة على الذكر , ومنها اثنا عشر في أثناء الذكر , و منها ثلاثة بعد الفراغ منه . قال في الخلاصة المرضية من الدرة المضية : " المراد بالذكر تحقيق الأنس بالله تعالى و الوحشة من الخلق " . فأما الخمسة السابقة على الذكر فأولها التوبة و حقيقتها ترك العبد ما لا يعنيه , قولا و فعلا و ارادة بعد الندم . الثاني , الطهارة الكاملة أي بالغسل و الوضوء . الثالث , السكوت و السكون مع شغل القلب " بالله الله " حتى ما يبقى خاطر مع الله , فينطق بلا اله الا الله , فيحصل له الصدق ان شاء الله تعالى . الرابع , أن يستمد بقلبه حين شروعه في الذكر بهمة شيخه , و لو نادى شيخه بلسانه في الاستغاثة عند الاحتياج جاز , و كيفية ذكرك , كما قال الشيخ جبريل الخرمابادي , قدس سره العزيز , أن يحضر صورة شيخه في قلبه عند ابتداء الذكر و يستمد منه , اذ قلب شيخه من قلب شيخه و هكذا الى الحضرة النبوية , و قلب النبي صلى الله عليه و سلم دائم التوجه الى الحضرة الالهية . فالذاكر اذا تصور صورة شيخه و استمد من ولايته , تفيض الأمداد من الحضرة الالهية على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم , و منه الى قلوب المشائخ على الترتيب حتى تنتهي الى شيخه , و من قلب شيخه الى قلبه فيقوى على استعمال الذكر على الوجه الذي يحصل به الغرض و ان كان بيده سيف الله و هو الذكر , لقوله عليه السلام : " الذكر سيف الله " . و لكن ليس للسيف ضارب الا بقوة مستفادة من حضرة منشىء السيف , فاذا من شيخه , كما تقدم , جاءه المدد , لقوله تعالى " و ان استنصروكم في الدين فعليكم النصر " , انتهى كلامه بمعناه . الخامس , أن يرى استمداده من شيخه هو استمداده من النبي صلى الله عليه و سلم , لأنه نائبه , و لقوله عليه السلام : " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " , رواه الفراوصني في كتاب المراءي , و ذكر السند له و قال فان من رأى النقص في شيخه لم ينتفع به , و من قال لشيخه بقلبه لم , لا يفلح أبدا , فكيف بلسانه , و قد تقدم . و قال الامام الجامع المحقق الشريشي في رائيته :

 

و لا   تعترض  يوما   عليه   فانه         كفيل بتشتيت المريد على هجر

 

 

الى أن قال :

 

فذو العقل لا يرضى سواه و ان نأى       عن الحق ناء اليل عن واضح الفجر

 

 

و هو معنى قولهم يجب اتباع أمره و ان ظهر خطأ . و أما الاثناعشر التي في حال الذكر , أولها : الجلوس على مكان طاهر متربعا , أو كجلوسه في حال الصلاة مستقبل القبلة ان كان وحده , و ان كانوا جماعة فيتحلقون حلقة . و فرق بعض المتأخرين بين المبتدء و المنتهي , فقال ان المبتدء يكون كجلوسه في الصلاة و المنتهي متربعا , كذا في الخلاصة المرضية و غيرها . و قال الفراوصني في الكتاب المذكور , هو أن يجلس جلسة هنية , و اختلف في كيفيتها . فالوفائية بالديار المصرية عاينتهم يجلسون على هيئة الجلوس للصلاة , و لا يحول أحدهم قدمه على الأخرى حتى يحول الشيخ و لو جلسوا هنالك الليل و النهار , فاذا حول حولوا الجلسة اليه و هم ورثوها عن سيدي عاي بن وفا , و اختار غيرهم الجلوس مستديرا , و اختار سيدي يوسفف العجمي الجلوس متربعا , و عليه العمل .

قالوا فانها أهنأ جلسة و لذلك تصنعها المرضعة لولدها , و اتفقوا كلهم على استقبال القبلة ان امكن في جلسته , لقوله عليه السلام : " خير الجلوس ما استقبل به القبلة " . و قالوا ان الجلوس الى القبلة ينور القلب , انتهى و الله أعلم . الثاني : أن يضع راحتيه على فخذيه , و زاد الفراوصني , و يغطيهما بثيابه , و لا بد من ذلك , و قد أوصاني بتغطيتهما شيخنا أبو عثمان , يعني به الصفراوي المدفون بكدية عاتي , نفعنا الله به , آمين , انتهى و الله أعلم . الثالث : تطييب مجالس الذكر بالرائحة الطيبة , لأن مجالس الذكر لا تخلو عن الملائكة و عن مؤمني الجن . و قال البجائي , هو أن يبخر المجلس بالروائح الطيبة للملائكة و الانس و الجن و ان كانت حضرة الرياحين فالجمع بين الحالين عجيب . قلت أفاد بقوله " للملائكة " الخ , أن تكون نية التبخير لله تعالى بادخال السرور على الأخ و عملا بالسنة . قال عليه الصلاة و السلام : " من أدخل على أخيه سرورا , خلق الله تعالى من ذلك السرور خلقا يستغفر له الى يوم القيامة " , رواه السيوطي في جامعه . و معلوم أن الملائكة و الانس و الجن جميعا يتلذذون بالروائح الطيبة . و في الاحياء , " من لذذ أخاه المؤمن بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة و محا عنه ألف ألف سيئة و رفع له ألف ألف درجة و أطعمه من ثلاث جنات , جنة الفردوس , و جنة عدن , و جنة الخلد , فانظر رحمك الله هذه الفوائد في نية التبخير , فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرة أعين في الذكر الكثير , انتهى و الله أعلم . الرابع : لبس اللباس الطيب حلا و رائحة , كذا في الخلاصة المرضية , و زاد في الجوهر الخاص و لو شرائط الكتان . و قال البجائي , و عليه أن يلبس اللباس الحسن كما يفعل في الأعياد و المواسم , اذ يستحب فيهما الطيب و الحسن من الثياب , و ينوي بذلك المناجاة و التجمل للملائكة و مؤمني الجن و الانس , و الله جميل يحب الجمال , و ان لبس مرقعة فاجمل , لأن هذا من أوقاتها المطلوبة لها . قلت , و ينبغي تطهير اللباس المعنوي و هو تطهير الباطن بأكل الحلال , لقوله تعالى " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم و ريشا و لباس التقوى " . و في السنن و هو سبحانه يحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر كما يحب أن يرى عليه الجمال الباطن بالتقوى , ذكره الفاكهاني في حرف التاء و قد أشار الى ذلك في مفتاح الفلاح , قال : " و من آدابه الملبس الحلال الطاهر المطيب بالرائحة الطيبة و طهارة الباطن بأكل الحلال " . قال : " و ان كان الذكر يذهب بالأجزاء الناشئة من الحرام , الا أنه اذا كان الباطن خاليا من الحرام و الشبهة , تكون فائدة الذكر بتنوير القلب أكثر و أبلغ . و اذا كان في الباطن حرام غسله منه و نظفه , فكانت فائدته في التنوير أضعف . ألا ترى الماء اذا غسلت به المتنجس أزال النجاسة , و لم تكن فيه مبالغة في التنظيف و لذلك يستحب غسله ثانيا و ثالثا , و اذا دخل المحل المغسول خاليا عن النجاسة زاد بهجة و نظافة من أول غسلة , و اذا نزل الذكر محلا , فان كان فيه ظلمة نوره و ان كان فيه نور زاده و كثره , انتهى . فتبين بهذا المراد بتطهير اللباس الحسي و المعنوي , الظاهري و الباطني , و الله أعلم . الخامس : اختيار مكان مظلم ان أمكن , و زاد البجاءي , وان كان , أي المكان المظلم بحيث لا ثقب فيه و لا طاق , بحيث اذا دخله صوت أداره فيه فصوت , كان أحسن . قلت , و فائدة اختيار المكان المظلم لاجتماع همه من التشتيت و انفراد فكره بذكره من التفريق , بدليل قول زين العابدين في رسالته , للذاكر اختيار بيت مظلم , أو يغمض عينيه عند الشروع في الذكر , فانه أجمع لحواسه الظاهرة و الباطنة , حيث جعل تغميض العينين قائما مقام الظلام الذي هو سبب في جمع الحواس الخ , و الله أعلم . السادس : تغميض العينين . فبتغميض عينيه , تنسد عليه طرق الحواس الظاهرة , و سد الطرق الظاهرة سبب لفتح حواس القلب , كذا في الخلاصة و غيرها . و قال البجاءي , و المراد بتغميضهما أن يجمع همه بذلك لئلا يرى ما يشوشه , و قد شرط ذلك أبو حامد الغزالي في الاحياء في كتاب السماع فيمن حضر السماع أنه من شأنه تغميض عينيه و اطراقه و تجنيبه كل ما يشوش عليه و على السامعين , حتى بقعقعة الثياب , ثم قلا , سمعت شيخنا أبا عثمان , يعني به سيدي سعيد الصفراوي , صاحب كدية عاتي , كما تقدم ,  يقول : " ينبغي للمريد أن يغمض عينيه حتى في الصلاة , الا في الركوع و السجود , فانهام يركعان و يسجدان . قال لئلا يرى ما يشوشه , و ان كان الفقهاء يقولون أنه مكروه , فانه شبه بالأعمى و لا يعبأ بذلك , فان المحافظة على الجمعية مع الله تعالى  أولى و أحق من تتزيين الظواهر , لأن المصلي يناجي ربه , انتهى كلامه , نفعنا الله به و هو عجيب غريب , و قل من ينتبه اليه , و الله تعالى يهدينا الى ما فيه رضاه . السابع : أن يخيل خيال شيخه بين عينيه , و هذا عندهم آكد الآداب , كذا في الخلاصة و الجوهر الخاص و غيرهما . و زاد البجاءي , ليكون رفيقه في الطريق لما قيل الرفيق ثم الطريق , و لذا التلميذ الصادق يسمع لشيخه يذكر معه و لو كان بأرض بغداد أو بأرض الصين , و هو بأرض المغرب مثلا . أو كان الشيخ ميتا في قبره و هو عند الصادقين مجرب علمه من علمه و جهله من جهله , انتهى كلامه رحمه الله تعالى . و قال في مفتاح الفلاح , هذا ان كان تحت نظر شيخ , قلت فان لم يكن شيخ , ينبغي أن يخيل خيال النبي صلى الله عليه و سلم , لتعليلهم بأن شيخه رفيقه في الطريق و أن النبي صلى الله عليه و سلم هو رفيق الرفقاء , فليتنبه له و الله أعلم . الثامن : و هو استواء الصدق و العلانية , كذا في الخلاصة و الجوهر الخاص . قلت , و الصدق لغة ضد الكذب , و اصطلاحا مساواة القول لما في القلب , و لهذا ان الدوام عليه و المبالغة فيه ينتج التصديق و هو الاعتقاد القلبي و الدوام و المبالغة ينتج التحقيق , و هو عمل بالجوارح , لقوله عليه السلام " ان الصدق يهدي الى البر و البر يهدي الى الجنة " . قال بعض العارفين ان مقامات كمال المؤمنين منحصرة في الصدق . فائدة : قال الفاكهاني : " الصدق يشمل الصدق في القول و النية و الارادة و العزم , و صدق الوفا و الوعد , و صدق العمل . فالصدق تحقيق المقامات , و لهذا قيل من اتصف بهذه الأمور السنية , كان صديقا . قال البجاءي , الصدق موهبة من الله تعالى لمن يشاء من عبادهه , و اذا حصل الصدق و الاخلاص بلغ الصديقية . قال الله تعالى : " و الذين آمنوا بالله و رسوله أولائك هم الصديقون و الشهداء عند ربهم " . في أحد التفاسير أن الشهداء هاهنا جمع شهيد , فهم الأحياء عند ربهم يرزقون , لا جمع شاهد , فاذا بلغ المريد الصديقية بهما فيخبر شيخه جميع ما يخطر بقلبه من حسن أو قبيح , أو صديق له ملاطف يريد مثل ما يريد و يكون حافظا لأسراره , و لذا قيل ليس من شرط الشيخ أن يطلع على أسرار المريد و باطنه , و لكن من شرط المريد أن لا يكون خائنا , فانه ان لم يظهر لشيخه جميع ما يخطر بقلبه و باله , فهو خائن و الله لا يحب الخائنين , و قد تقدم . قال الساحلي و من الشرط لزوم الكتم فلا يطلع أحدا على شيء من أعماله و ما يرد عليه في نومه و يقظته , فان الكتم منن شيم الأحرار , و البوح يحجب عن موارد الأسرار ما عدا القدوة . فان الكتم على القدوة خيانة , و قل ما يفلح من يكتم عن قدوته , انتهى و الله أعلم . التاسع : الاخلاص , و هو تصفية العمل من كل شوب , اذ به و بالصدق يصل الذاكر الى درجة الصديقية كما تقدم قبله , كذا في الخلاصة و الجوهر الخاص . قلت , و لما سئل صلى الله عليه و سلم عن الاخلاص قال : " قل الله ثم استقم " , أشار الى أن الاستقامة في العمل مع ذكر الله تعالى هو الاخلاص . و في حديث أخرجه الرداد , " الاخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي " . و ذكر الفكهاني عن الجنيد أنه سر بين الله و بين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه و لا شيطان فيفسده و لا هوى فيميله . و قيل الاخلاص فقد رأية الاخلاص , و قيل متى أراد العامل على عمله عوضا منه في الدارين لم يكن مخلصا . قال سيدي أحمد بابا التنبكتي رحمه الله تعالى , و روينا عن الأستاذ أبي القاسمم القشيري رحمه الله تعالى , قال : " الاخلاص افراد الحق سبحانه و تعالى في الطاعة بالقصد و هو أن يريد بطاعته اتلقرب الى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتسابه محمدة عند الناس , أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب الى الله تعالى . و قال السيد الجليل سهل ابن عبد الله التستري رضي الله عنه : " نظر الأكياس في تفسير الاخلاص فلم يجدوا غير هذا , أن تكون حركته و سكونه في سره و علانيته لله تعالى , لا يمازجه نفس و لا هوى و لا دنيا . قال الشيخ زروق في قواعده , اظهار الالعمل و اخفائه عند تحقق الاخلاص مستو , و قال أيضا , ناقلا عن الامام مالك رضي الله عنه , " اذا صح أصل القصد في العوارض لا تضر كمحبة لرجل يحب أن يرى في طريق المسجد لا في طريق السوق . و كما ورد في الحديث , " الرجل يحب جمال نعله و ثوبه " , الخ . و عن الفضيل , " العمل لأجل الناس شرك , و تركه لأجلهم رياء , و الاخلاص أن يعافيك الله منهما " . قال الشيخ زروق , ففي كلامه أن الرياء يقع بالشرك كالفعل , و تحقيق ذلك ما ذكره تاج الدين بن عطاء الله , نفعنا الله به , آمين , في مفتاح الفلاح , قال : " اعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه شيء , فاذا صفى عن شوبه يسمى خالصا , و سمي الفعل المصفى اخلاصا , فكل من أتى بفعل اختياري خالصا , فلا بد له في ذلك الفعل من غرض , فمتى كان الفعل واحدا يسمى ذلك الفعل اخلاصا . الا أن العادة جرت بتخصيص الاخلاص بتجريد قصد التقرب الى الله تعالى عن جميع الشوائب  كما أن الالحاد هو الميل , و خصصه العرف بالميل عن الحق " . اذا علمت ذلك فنقول الباعث عن الفعل اما روحاني فقط , و هو الاخلاص , أو شيطاني فقط و هو الرياء , أو مركب منهما و المركب اما أن يتساوى فيه الطرفان , أو يكون الروحاني أقوى أو النفساني أقوى . القسم الأول أن يكون الباعث روحانيا فقط و لا يتصور الا من من محب في الله تعالى مستغرق الهم به , بحيث لم يبقى لحب الدنيا في قلبه مقر , فحين اذ تكسب جميع أفعاله و حركاته هذه الصفة . فلا يقضي حاجته و لا ينام و لا يحب النوم و لا يحب الأكل و الشرب مثلا , الا لكونه ازالة ضرورة أو تقوية على الطاعة . فمثل هذا لو أكل أو شرب أو قضى حاجته فهو خالص العمل في جميع حركاته و سكناته . القسم الثاني أن يكون الباعث نفسانيا  و لا يتصور الا من محب للنفس مستغرق الهم بها بحيث لم يبق لحب الله تعالى في نفسه مقر فاكتسبت جميع أفعاله هذه الصفة , فلا يسلم له شيء من عباداته . و أما الأقسام الثلاثة الباقية , فالذي يستوي فيه الباعثان , قال الامام فخر الدين الرازي , الا ظهر أنهما يتعراضان و يتساقطان , فيصير العمل لا له و لا عليه , و الذي يكون فيه أحد الطرفين أغلب فيحبط منه ما يساوي الطرف الآخر , و تبقى الزيادة موجبة لأثرها اللائق , و هو المراد بقوله تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره " . و تمام التحقيق فيه أن الأعمال لها تأثيرات في القلوب , فان خلا المؤثر عن العارض خلا الأثر عن الضعف , و ان كان الأثر مقرونا بالعارض فان تساويا تساقطا , و ان كان أحدهما أغلب فلا بد أن يحصل في الزائد مقدار الناقص فيسقط بقدره و الزائد خاليا عن العارض فيؤثر لا محالة أثرا ما , و كما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام و الشراب و الدواء عن أثر في الجسد , فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير و الشر عن أثر في التقريب من باب الله تعالى و التبعيد منه .

و اذا جاء ما يقربك شبرا مع ما يبعده , فقد عاد الى ما كان عليه , لا له و لا عليه , و ان كان أحد الفعلين مما يقربه شبرين و الفعل الثاني مما يبعده شبرا واحدا , حصل لا محالة شبر. و احتج من زعم أن المشوب لا ثواب عليه بوجهين : الأول ما روى أبو هريرة رضي الله عنه , أنه عليه الصلاة و السلام قال لمن أشرك في عمله , " خذ أجرك ممن عملت له " , و عنه صلى الله عليه و سلم , قال : " ان الله تعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك , فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركت فيه نصيبي لشريكي " . و أجيب بأن لفظ الشريك محمول على تساوي الداعيين , و قد بينا عند التساوي , فيحبط كل منهما بالآخر . واعلم أن خاطر الشيطان قد يكون في صور العبادات و أنواع الخيرات و حب الكرامات , و هو لا يزال مع الانسان من كل طريق الا من باب الاخلاص , فكن مخلصا و لو كنت في الاخلاص ما ترى نفسك في مقام الاخلاص , انتهى و الله أعلم , و هو عجيب لمن تأمله و عمل به . العاشر : أن يختار من الذكر لفظة لا اله الا الله , مع التعظيم بقوة تامة جهرا , و تصعيد لا اله من فوق السرة من النفس التي بين الجنبين , و ايصال الا الله بالقلب اللحمي الكائن بين عظمتي الصدر و المعدة , مئلا رأسه الى الجانب الأيسر مع حضور القلب المعنوي فيه . قيل و يستحب للداكر أن يحصر النفس على القلب و يجعل هاء الاالله دائرة يطبقها على دائرة القلب , و يكون جانب الاثبات أكثر , قاله الحراني , كدا في الخلاصة و الجوهر الخاص و تحفة السالكين و غيرهم . قوله "العاشر " , أي الأدب العاشر من أدبات الذكر , اختيار لا اله الا الله على غيرها من سائر الأذكار لأفضليتها على غيرها , بقوله عليه السلام : " أفضل ما قلته أنا " ...الخ , كما تقدم , و لاتفاقهم أن لا أنفع للمريد منها , و قد اجتمع فيها ما افترق في غيرها . و للناس مذاهب في اختيار الذكر , و لهذا قال تاج الدين ابن عطاء الله رحمه الله تعالى في مفتاح الفلاح : " فمنهم من اختار لا اله الا الله محمد رسول الله في الابتداء و الانتهاء , و منهم من اختار لا اله الا الله في البتداء و في الانتهاء الاقتصار على الله , و هم الأكثرون , و منهم من اختار سبحان الله و بحمده , و منهم من اختار الله الله , و منهم من اختار هو هو , و احتج من قال بالأول بأن اليمان لا يصح ولا يقبل حتى تكون الشهادة بالرسالة متصلة بالشهادة بالوحدانية . قالوا فان قلت انما ذلك عند الدخول في الايمان , فاذا استقر ايمانه و ثبت , فيفرق بين الذكرين . فالواجب اذا لم يجز له التفريق في البداية , فأولى أن لا يجوز له في النهاية . ألا ترى أن الأذان الذي هو شعار الاسلام لا يصح الا بالتصال الذكر في جميعه على الدوام , فكما أن الأذان لا ينتقل عن حالته التي  شرع عليها من الاتصال بين الذكرين , فكذلك لا ينتقل المؤمن الى الحالة التي لا يقبل الايمان فيها الا بعد اتيانه بالاصل , فلا سبيل الى التفريق بين الذكرين الى تمام كلامه , انتهى . قلت و لعل هذا فيمن لا يخيل صورة النبي صلى الله عليه وسلم المقيدة لذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم المستلزمة لثبوت رسالتهه عند قول الذاكر لا اله الا الله , و لهذا اشترط حضور خيال النبيء مع خيال شيخه من أفرد لا اله الا الله عن محمد رسول الله لحصول ما ذكر , و تحصيل الحاصل لا يخفى , و لجواب سيدي يوسف العجمي كما تقدم و لحديث " أمرت لأقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله " , كما تقدم . و كان الأستاذ رحمه الله تعالى و نفعنا به يقول : " يشفع بمحمد رسول الله صلى الله عليه و سلم في الانتهاء لا في الابتداء , و انما يقتصر المبتدء على لا اله الا الله فقط مع تخيل خيال شيخه والنبيء صلى الله عليه و سلم , تخفيفا على المبتدء , و ان محمد رسول الله في جوف لا اله الا الله , و يؤكد على حضور خياله صلى الله عليه و سلم للجميع , أي المبتدء و المنتهي . و يقول , نفعنا الله به , آمين , " لو غاب عني النبيء طرفة عين لم أعدد نفسي من المسلمين " , الخ , و سنزيد بيانا فيما يأتي ان شاء الله تعالى عند المناسبة . فتعين أن تخيل خيال صورته صلى الله عليه و سلم لذاكر لا اله الا الله , يقوم مقام الاقرار برسالته و هو معنى قولنا " محمد رسول الله " صلى الله عليه وسلم لاتفاق أهل الحق على أن الخيال أصل العالم كله , بل كل العوالم بأسرها . قال سيدي عبد الكريم الجيلي , في الانسان الكامل بعد كلام : " اعلم وفقك الله تعالى أن الخيال أصل الوجود و الذات الذي فيه كمال المعبود " ... الى آخر كلامه , من أراد تمامه فلينظره فيه , و الله أعلم . الحادي عشر : احظار معنى الذكر بقلبه مع كل مرة . فبظهور البشرية و الوسواس يقول بلسانه لا اله الا الله , و بقلبه لا معبود الا الله , و بخمودها و صفاء القلب و طلب شيء من المعارف و الشوق و الذوق و غير ذلك , يقول بلسانه لا اله الا الله و بقلبه لا مطلوب الا الله . و بفناء الخواطر كلها يقول بلسانه لا اله الا الله و بقلبه لا موجود الا الله لمشاهدته أنهه به ينطق , كدا في الخلاصة و الجوهر الخاص و غيرهما . قلت , لأن بمراعاة الآداب المذكورة يرجع عن العادات المظلمة للقلب , و يتنور قلبه بأنوارها . فبذلك النور يصح أن يقول لا مطلوب الا الله , فهو ترق لا نزول كما قيلل أنه نزول عن ترق . قال الساحلي : " و منفعة الذكر أبدا في تتبع معناه بالفكر ليقتبس الذاكر من ذكره أنوار المعرفة , و يحصل على المراد , و لا خير في ذكر مع قلب غافل ساهه , و لا مع تضييع شيء من رسوم الشرع , انتهى . تنبيه : قال في مفتاح الفلاح : " قال بعضهم , لا يصح تردد الذكر المرة بعد المرة الا بمعنى غير المعنى الأول . قال , و أدنى درجة الذكر أنه كل ما قال لا اله الا الله , لا يكون في قلبه شيء غير الله الا و نفاه من قلبه , و متى التفت اليه في ذكره فقد أنزله منزلة الا الله من نفسه . قال الله تعالى : " أرأيت من اتخذ الاهه هواهه " . و قال تعالى : " لا تجعل مع الله الها آخر " . و قال تعلى : " ألم أعهد اليكم يا بني آدم " ... , و في الحديث عن النبيء صلى الله عليه و سلم أنه قال : " تعس عبد الدينار , تعس عبد الدرهم " , و ان كان الينار و الدرهم لا يعبدان بركوع و لاسجود , و انما ذلك بالتفات القلب اليهما , فلا تصح منه لا اله الا الله , الا بنفي نفسه و قلبه ما سوى الله تعالى , و من ابتلي قلبه بصور المحسوسات , لو قال ألف مرة لا اله الا الله , قل ما يشعر قلبه بمعناه . و اذا ارتفع القلب عن غير الله تعالى , و لو قال مرة واحدة الله , يجد من اللذة ما لا يستطيع اللسان وصفه . قال الشيخ عبد الرحيم القناوي : " قلت مرة لا اله الا الله ثم لم تعد الي , و كان في تيه بني اسرائيل عبد أسود كلما قال لا اله الا الله ابيض من رأسه الى قدمه " . وتحقيق العبد بلا اله الا الله حالة من أحوال القلب لا يعبر عنها باللسان , و لا يقوم بها الجنان . و لا اله الا الله و ان كانت خالصة من التوجهات فهي مفتاح حقائق القلوب و ترقي السالكين الى عوالم الغيوب و من الناس من اختار موالاة الذكر , بحيث تكون الكلمتان كالكلمة الواحدة لا يقع بينهما تخلل خارجي و لا ذهني كي لا يأخذ الشيطان نصيبه , فانه في مثل هذا الموضع لبالمرصاد , لعلمه بضعف السالك على سلوك هذه الأودية لبعده عن عادته , لا سيما ان كان قريب عهد بالسلوك . و قالوا هذا أسرع فتحا للقلب وتقريبا من الرب . و قال بعضهم تطويل المدمن لا اله الا الله مستحب مندوب اليه , لأن الذاكر في زمن المد يستحضر في ذهنه جميع الأضداد و الأنداد , ثم ينفيها و يعقب ذلك بقولهه الا الله , فهو أقرب الى الاخلاص لأنه يكون الاقرار بالألوهية و هو و ان نفى بلا اله عينه فقد أثبت بالا كونه . و منهم من قال , ترك المد أولى لأنه ربما مات في زمن التلفظ بلا اله قبل أ، يصل الى الا الله . و منهم من قال ان قصد الانتقال من الكفر الى الايمان , فترك المد أولى ليسرع  بالانتقال الى الايمان و ان كان مؤمنا كما تقدم , و سيأتي مزيد بيان ان شاء الله تعالى في محله و الله أعلم . الثاني عشر : نفي كل موجود من القلب سوى الله تعالى بلا اله الا الله , ليتمكن تأثير الا الله في القلب و يسري الى الأعضاء , لما قيل ينبغي للرجل اذا قال الله أن يهتز من فوق رأسه الى اصبع قدمه , و هذه الحالة يستدل بها على أنه سالك , فيرجى له التقدم الى أعلى منها ان شاء الله تعالى , كذا في الخلاصة و الجوهر الخاص و غيرهما , و زاد في تحفة السالكين , فان الحق تعالى غيور لا يحب أن يرى في قلب الذاكر له غيره , و لولا أن الشيخ له مدخل عظيم في تأديبه ما ساغ أن يخيل شيخه بين عينيه , و المراد من النفي المذكور ايصال تأثير الا الله الى القلب ليسري ذلك المعنى في سائر الجسد و أنشد :

 

 

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى           فصادف   قلبا   خاليا    فتمكنا

 

 

انتهى باختصار . ثم قال بعد كلام , و اليحذر الذاكر من اللحن في لا اله الا الله , لأنها من القرآن . فيمد على اللام بقدر الحاجة و يحقق الهمزة المكسورة بعدها , و لا يمد عليها أصلا و يفتح الهاء من اله فتحة خفيفة و لا يفصل بين الهاء و بين الا الله . و اياك أن تتهاون في تحقيق همزة اله , فانك ان لم تحققها قلبت ياء , و كذا همزة الا و تسكن آخر لفظة الجلالة , و سيأتي مزيد تحقيق في كلام المص في النظم ان شاء الله تعالى . قال سيدي يوسف العجمي رحمه الله تعالى : " و ما ذكروه من هذه الآداب للذكر محله في الذاكر الصاحي المختار , و أما المسلوب الاختيار فهو مع ما يرد عليه من الأسرار . فقد يجري على لسانه الله الله , أو هوهو , أو لا لا , أو أه أه , أو عا عا , أو ه ه , أو صوت من غير حرف أو اختباط أو انصراع , أو بكاء و نحو ذلك . فأدبه عند ذلك التسليم للوارد يتصرف فيه كيف يشاء . فاذا انقضى الوارد , فأدبه السكوت من غير تفعل مع السكون ما استطاع متلقيا للوارد . و قد تتفق هذه الأنواع للصادق في مجلس واحد . و هذه الآداب تلزم الذاكر بلسانه , أما

الذاكر بقلبه فلا يلزمه ذلك . تنبيهات : الأول : هل الذكر منفردا أنفع أو جماعة . الجواب , الانفراد أنفع لأصحاب الخلوة و الجماععة أنفع لمن لا خلوة له . الثاني : هل الذكر جهرا أنفع أو سرا . الجواب , الجهر أنفع لمن غلبت عليه القسوة من أهل البداية , و السر أنفع لمن غلبت عليه الجمعية من أهل السلوك . الثالث : هل افراد لا اله الا الله أفضل أو بزيادة محمد رسول اللله صلى الله عليه وسلم . الجواب , افراد لا اله الا الله أفضل للسالكين حتى تحصل لهم الجمعية مع الله تعالى بقلوبهم , فاذا حصلت فذكر محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم معها أفضل . و بيان ذلك أن محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم اقرار يكفي في العمر مرة واحدة , و المقصود من تكرار التوحيد كثرة الجلاء للقلب , قاله ابن المنير في تحفة السالكين , و قد تقدم عن سيدي يوسف العجمي , انتهى و الله أعلم . و أما الثلاثة آداب التي بعد الفراغ من الذكر : الأول , اذا سكت يسكن و يخشع و يحضر مع قلبه مترقبا لوارد الذكر , فلعله يرد عليه وارد فيعمر وجوده في لحظة ما لا تعمره الرياضة و المجاهدة في ثلاثين سنة , قاله الشيخ أبو يعقوب يوسف العجمي , كذا في الخلاصة و الجوهر الخاص , و زاد في تحفة السالكين , و ذلك أنه اذا كان الوارد وارد زهد , فيجب عليه التمهل فيه حتى يتمكن فيه الزهد , و يصير يتنغص اذا فتح عليه بشيء من الدنيا , عكس ما كان عليه أولا . أو وارد تحمل أذى , فيجب عليه التمهل حتى يتمكن و يتحكم و يصير اذا قام عليه الوجود كله بالأذى لا تتحرك منه شعرة , كما لا يتحرك جبل من نفحة ناموسةة . و هكذا بخلاف ما اذا لم يترقب حصول شيء من ذلكك , فانه لا يحصل له بذلك المقام الذي أتى به الوارد . قال تعالى : " انما الصدقات للفقراء و المساكين " .. , فاذا لم يكن عند الذاكر اشتياق و افتقار و طلب شيء لا يعطاه . قال ابن عطاء الله في مفتاح الفلاح : " و آداب الذكر اللاحقة , اذا سكت باختياره يحضر مع قلبه متلقيا لوارد الذكر , و هي الغيبة الحاصلة عقب الذكر , و تسمى النومة أيضا , فاستفيد منه أنها تسمى بثلاثة أسماء , السكتة و الغيبة و النومة . فكما أن الله تعالى أجرىالعادة بارسال الرياح نشرا بين يدي رحمته المطرية , أجرى العادة بارسال رياح الذكر بين رحمته القلبية , الخ . فائدة : قال الغزالي : " و لهذه السكتة ثلاثة آداب : الأول , أن يستحصر العبد أن الله تعالى مطلع عليه و هو بين يديه . الثاني , أن يجمع حواسه بحيث لم يتحرك منه شعرة واحدة , كحال الهرة عند اصطياد الفأرة . الثالث , أن ينفي الخواطر كلها و يجري معنى الله الله على قلبه , و هذه الآداب لا تتم المراقبة للذاكر الا بها . الثاني من الثلاثة التي بعد الذكر , هو أن يزم نفسه مرارا , لأنه أسرع لتنوير البصيرة و كشف الحجب و قطع خواطر النفس و الشيطان , لأنه اذا زم نفسه و عطل حواسه صار يشبه الميت و الشيطان لا يقصد الميت , كذا في الخلاصة و الجوهر الخاص و غيرهما , و زاد في تحفة السالكين , أن يزم نفسه مرارا من ثلاثة أنفاس الى خمسة أو سبعة أو الى أكثر , بحسب قوة عزمه , و هذا كالمجمع عليه , بل على وجوبه , حتى يدور الوارد في جميع عوالمه فتتنور بصيرته , و تنقطع عنه خواطر النفس و الشيطان و تنكشف له الحجب , انتهى و الله أعلم. الأدب الثالث , من الثلاثة التي بعد الفراغ , منع شرب الماء لأن الذكر يورث حرقة و شوقا و هيجانا الى المذكور و هو المطلوب من الذكر , و شرب الماء بعد الذكر يطفأ ذلك , و قد نهي عنه من جهة الطب أيضا , فان فيه هز الأعضاء و اتعابها , فربما يورث الاستسقاء , فليحرص الذاكر على هذه الآداب الثلاثة , فان نتيجة الذكر انما تظهر بها و الله أعلم , كذا في الخلاصة و الجوهر الخاص . قلت هذه عشرون أدبا , و سماها الساحلي شروط , و زاد في السر المصون و بلغها الى خمسة و عشرين , و زاد عليها في الأسلوب الغريب في التعلق بالحبيب الى اثنين و ثلاثين . و قال أبو عبد الله البجاءي صاحب الكتابين المذكورين , و لولا خشية الاطالة لبلغتها الأربعين , و كلها ملتقطة من متفرق كلامهم , و أنا أذكر منها طرفا على سبيل الاختصار تتميما للفائدة ان شاء الله تعالى . فأقول مما زاد على العشرين الأول أن يكونوا كيف يعرف بعضهم بعضا في الصدق لأن الصاحب هو الذي يزيدك نصرا و أنت لا تشعر , و انما يصح ذلك ممن يريد مثل ما تريد , و الا فهو ضد لك فهو عليك لا لك . و اذا حضر المجلس غير صادق تنكر الوارد , بل لا يرد و ينكر المجلس منه . و من المجربات أنه اذا حضر معترض عليهم و لو بقلبه و لم يعلمه أحد من المريدين , فان قلوبهم لا تجتمع عليهم و هذا مجرب صحيح مختبر , انتهى باختصار . الثاني , غلق الباب , فان ذلك من تمام جمع الهمة , و عادة الفقراء قديما أذا ارادوا الذكر , غلقوا الباب و اذا حضر السماط فتحوه . قلت , و استنادهم في ذلك بحديث شداد بن أوس المتقدم ذكره , و هو قوله صلى الله عليه و سلم " هل فيكم غريب , قالوا لا " , فأمر بغلق الباب .... الحديث , و الله أعلم . الثالث , لا يخرج أحد منهم في حال الذكر و لا يدخل لوجهين : الأول , أن ذلك مما يشوش عليهم في تلقي الوارد , بل حتى الذكر و الوارد صيد عزيز . و الثاني , قالوا يخاف على فاعل ذلك أن يختطفه الحاضرون من الملائكة و الجن , لأنه يؤذيهم ذلك كما يأذي الذاكرين من الانس . قال البجاءي سمعت شيخنا أبا عثمان يقول : " من شغل مشغولا به مكر به " , يعني به الصفراوي صاحب كدية عاتي بقسنطينة الغرب . الرابع , اقطاع مادة التشويش جملة و لو من قعقعة ثوب لبسه أو يلبسه , أو شرب ماء , أو فتح أحد عينيه و ينظر , أو التزحزح من مكان الى مكان و الحركة البينة و لو في مجلسه , كالحركة باليد و العبث باللحية و التنحنح و السعال و التنخم , فان ذلك مشوش , فيجب تركه بحسب الامكان .

الخامس , أن يستمع بعضهم من بعض في الذكر , فان الشيخ فبغناته ينطقون , و ان لم يكنفبغنة أحدهم , بل أحسنهم صوتا , و يحتفظون على ذلك جدا حتى يكون صوتهم كأنه من لهاة واحدة ينطقون , فان ذلك له أثر في القلوب .

قال ابن عبد السلام : " تزيين الصوت من السنة " . قلت و لعل استناده ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث البرا , قال : " قال صلى الله عليه و سلم , زينوا القرآن بأصواتكم فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا " , انتهى . و لا اله الا الله قرآن , و الله أعلم . السادس , أن يكونوا على قلب واحد في الصفاء فيما بينهم . قلت لا شك فيه وقد جرب , و باختلاف القلوب يحدث اختلاف الأصوات , و باختلافها ينعدم تساوي الكيفية , فيرتفع الوارد و يثقل مجلس الذكر والله أعلم . قال عليه الصلاة و السلام : " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " , رواه البخاري . السابع , أن يعتقد كل واحد منهم أن كل واحد من أصحابه أحسن منه , فاذا توقف عليه الوارد , فربما توسل بمن في الجمع أو بجميعهم بقلبه , فيفتح عليه بوارد حسن . قلت , و قد أجمعوا أن من اعتقد أنه خير من جليسه , فقد لعنه الوجود كله , و من اعتقد أنه مثل جليسه , فقد وقف مدده , و من اعتقد أنه أدنى من جليسه أمده الوجود كله , انتهى و الله أعلم . الثامن , أن لا ينفصلوا الا على الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم . فقد ورد " ما اجتمع قوم في مجلس و لم يصلوا على النبيء صلى الله عليه و سلم , الا تفرقوا على أنتن من الجيفة " , انتهى و الله أعلم .

التاسع , أن يكون لباسه و قوته من الحلال . ففي الحلال صفاء القلب و نور عظيم , و ان تعذر فالقوت . قال عليه السلام : " لو كانت الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا " . و قال تعالى : " و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا " , و القوت ليس باسراف . قال سهل بن عبد الله في قوله تعالى " كلوا من طيبات ما رزقناكم

و لا تطغوا فيه " ...الآية . أي كلوا منها القوام و ما سد الرمق فانه الطيب من الرزق , و لا تطغوا فيه , أي لا تشبعوا فتكسلوا عن ذكر الله . العاشر , أن لا يكون الذاكر شبعان لأنه اذا شبع سكر عن ذكر الله تعالى . ألم تسمع قول سهل ابن عبد الله في تفسير الآية آنفا و منه و من أمثاله أخذنا هذا الشرط , و قالوا لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا . و قالوا البطنة تذهب الفطنة . قال الساحلي رحمه الله تعالى : " و من الشروط خلو البطن من الطعام عند التوجه للذكر , لأن البطنة تذهب الفطنة , انتهى و الله أعلم . الحادي عشر التماس خلوة لايقاع الذكر . قال الساحلي : " فان الخلوات مفتاح تدبير المعاني , انتهى . قال البجاءي في الأسلوب الغريب : " سمعت شيخنا من أهل القرن الثامن , و هو شيخ الفقراء ببلدنا بجاية يقول , " نحن صيادة و شبكتنا الذكر " , يشير الى أن الذكر اذا لم يكن في خلوة , يحضره العوام و كثير من يجذبه الذكر فيرجع فقيرا , و هذا صحيح ان قصد هذا الوجه و لم يقصد الوارد , و الله أعلم . المراد به لا يعدل عن المكان الخالي لايقاعع الذكر عند امكانه الا اذا أراد الصيادة المذكورة , و هو عجيب في تصحيح النية , فجزاهم الله عنا خيرا كثيرا . قال ابن سبعين : " و مجالس الذكر رحمة للخلق , و هو ميدان منه يخرج كل شائق . قال عليه الصلاة و السلام : " اذا مررتم برياض الجنة فارتعوا " , " قالوا يا رسول الله و ما رياض الجنة " , قال " حلق الذكر " , أخرجه البيهقي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه . الثاني عشر , اتخاذ السبحة . قال الساحلي : " يحصر بها عدد لزمه ليسلم بذلك من شغب حصور الآحاد و العشرات و المئات و الآلاف , و لأن ذلك من عادة السلف الصالح و أهل الأوراد , و لأن هذا الشرط لمجرد الذكر من حيث هو ذكر لا لذكر لا اله الا الله " . قلت , و قد قال الشيخ السنوسي في نصرة الفقير في الرد على أبي الحسن الصغير , " و أما السبحة فقد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم أقر أصحابه على التسبيح في نواء التمر و كانوا يفعلون ذلك , و كان أبو هريرة رضي الله عنه , ربط في خيط خمسمائة عقدة و سبح فيها بين يديه صلى الله عليه و سلم , و أقره على ذلك , و استعملها العلماء العاملون و لم أر فيها تعارضا لأهل العلم و الحمد لله رب العالمين" , انتهى كلامه و هو عجيب لمن أنكرها كأبي الحسن المذكور, سامحه الله تعالى , و الله أعلم . الثالث عشر , أن يكون بني على تقوى من الله تعالى و رضوان , فافهم . قال تعالى : " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه " . قال ابن سبعين : " فان وجدت المجلس كما ذكر و الا جعلت مجلسك حيث ما كنت , و كن في الدنيا كأنك غريب " . قلت, قال سيدي أبو الحسن الشاذلي , نفعنا الله به , آمين : " أوصاني خليلي فقال لا تنقل قدميك الا حيث ترجو ثواب الله , و لا تجلس الا حيث تأمن غالباا من معصية الله و لا تصطفي لنفسك الا من تزداد به يقينا و قليل ما هم " . و قد حذر سيدي البكري نفعنا الله به آمين في الوصية الجلية للسالكين طريق السادة الخلوتية عن مجالس النسوان و المرد الشبان الذي تميل اليهم النفوس و معاشرتهم , و أوصى و أكد بالفرار من هاؤلاء و مجالسهم , أي مجالس الذكر الذين يجتمعون فيها مع من قل فيه التقوى , و قال بعد كلام , و كان الواسطي رضي الله تعالى عنه يقول : " اذا أراد الله تعالى هوان عبد ألقاه الى هاؤلاء الأنتان و الجيف , يريد به الشبان المرد الذين تميل اليهم النفس . فاليحذر المريد الصادق عن مجالسة المرد اللهم الا في حلقة الذكر أو الدرس بحضرة الشيخ مع غض البصر عنهم ما أمكن , و كذلك النساء و مواخاتهن و الاجتماع بهن , و أما حضور هلؤلاء للوعظ و التعليم و الذكر مع ذوي التقوى جائز , انتهى باختصار و الله أعلم . الرابع عشر , أن يكون الحاضرون محتضرين متمسكين تنطق خواطرهم بالعبودية موافقة لألسنتهم , كما تنطق بأوصاف الربوبية . قال ابن سبعين : " فانه ما جلس أحد مع قوم الا و أخذ من حالهم " . و تقدم نحوه للغزالي , أنه تسري حالة المجالس في مجالسهم و هو لا يشعر . و قد ورد أن مجلس الذكر ان كان فيه واحد مغفور له , غفر للجميع من أجله , انتهى و الله أعلم الخامس عشر , أن يكونوا مقهورين لأحكام الشيخ , فلا يتحرك أحد و لا يخرج و لا يدخل الا باذن الشيخ , و هذا هو السر في جميع ما تقدم و به يتم المجلس و الا كان جميع ما تقدم لا يتم و لا يكون مهابة للمجلس أصلا . قلت , و هذه خمسة عشر أدبا الى العشرين المتقدم ذكرها , فهي خمسة و ثلاثون أدبا . قال في الأسلوب الغريب في التعلق بالحبيب : " و ما وقفت قط على من بلغ آداب الدكر هذا العدد الذي فتح الله به علينا " , انتهى . قلت , غاية ما ذكر أصحاب السير و الأذكار عشرون أدبا , و بلغها في عنوان السر المصون الى خمسة و عشرين , و في الأسلوب الغريب الى اثنين و ثلاثين , و هذه من خصائص هذا الكتاب , و الله يلهمنا الى سبيل الصواب بمنه . قال في الأسلوب الغريب , " و في ملازمة هذه الآداب عمل بالأحاديث الأربعة " , يعني التي عليها مدار مذهب الصوفية . الأول , قوله صلى الله عليه وسلم : " انما الأعمال بالنيات و انما لكل امرىء ما نوى " . الحديث الثاني : " من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه " . الثالث : " أن تعبد الله كأنك تراه ..ز" الخ . الرابع : " ان لم تبكوا فتباكوا ..." الخ . و لا يستصعب أحد العمل بالأحاديث الأربعة , فان الله أقدر العبد على ذلك , و نبهنا صلى الله عليه و سلم بقوله : " موتوا قبل أن تموتوا " . قال بعض العارفين , يعني عن هذه الحياة الفانية و الأوصاف البشرية و اللذات الجثمانية و الارادات النفسانية , و تحيى بالفناء الكلي و تبقى بالبقاء السرمدي . و لما رأى ضعفنا , عليه السلام , قال : " اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " . فاذا يحاكي الانسان الميت ما استطاع , و ظاهر صفة الميت أنه لا يرى و لا يتكلم و لا يتحرك , و لا يعجز أحد أن يغمض عينيه و يسكن قدر ثلاثة أنفاس , أو قدر استطاعته و قلبه في ذلك مع الله تعالى , فاذا فعل ذلك فقد مات , وأتى باستطاعته في ظاهره , فاذا فعل ذلك عند جلوسه للذكر قبل النطق به , فقد مات . فاذا أضاف الى موته و قطع صوته الله الله بالقلب دون اللسان , فقد شارك الخاص بالقدم . و ان جعل ذلك مرجعه في كل ما وجد فراغه , فقد صار من السالكين الخاصين . فعلى قدر أنسه بالله الله و استيحاشه من الخلق , يكون من خاص الخاص . و على قدر ثباته فيه يكون من الفائزين الذين لا خوف عليهم و لا يحزنون . و مع ذلك فلا يجوز أن يأمن مكر الله تعالى طرفة عين , و هذه الآداب انما تصعب مع الابتداء , أما مع المواضبة في النهاية فتسهل ان شاء الله تعالى , و هي لازمة ما دام الذاكر ضابطا نفسه , انتهى . و أما ان ورد الوارد , فالحكم أن يسلم نفسه لوارده يصنع فيه ما يشاء , فانهه ان سلبه الاختيار لا حرج عليه ما دام مسلوب الاختيار يستعمله كيف شاء . فانه على أنواع مختلفة كلها محمودة و صاحبها مشكور عليها , فانه أسرار و أذكار كلما يجري على لسانه كما تقدم و الله أعلم . انتهى منه باختصار .

الفصل الرابع المتضمن للسؤال الرابع عن اعرابها , و هو سؤال السائل المتقدم ذكره في النظم . قلت و قد غفل السائل عن بنائها , فان الكلمة المشرفة محتوية على بناء و اعراب . فان اله  مبني مع لا على المشهور , و الا الله معرب بلا . خلاف , فليست منحصرة في الاعراب فقط و يمكن أن يجاب عليه . أما في النظم فظاهر لاحتمال تضمنه ذلك لضيق النظم , و أما في النثر , أي في سؤال السائل الذي كان النظم لأجله , فهو محتمل أن يكون على حذف معطوف , أي وما اعرابها و بنائها . قال الشيخ عيسى السكتاني , عند قول السنوسي في الفصول السبعة : " الفصل الثاني في اعرابها و لفظه المراد اعرابها و بنائها . أطلق الاعراب عليها تغليبا , و يحتمل أن يكون على حذف العاطف و المعطوف . و يحتمل أن يكون على ما اصطلح عليه من أن الكلام في الاسم من حيث ذاته تصريف , ومن حيث اجتماعه مع غيره اعراب , و ان كانت الكلمة مبنية فهو في مقابلة التصريف , و هذا أحسن , قاله الشيخ يحيى الشاوي رحمه الله تعالى . قوله في النظم اعرابها , أي ما اعراب لا اله الا الله . الجواب , قال في الجوهر الخاص : " لا نافية , و اله مبني معها على الفتح لتضمنه معنى من , اذ التقدير لا من اله , و لهذا كانت نصا في العموم , أي من , لأن من معاني من التنصيص على العموم , كما قاله ابن السبكي في جمع الجوامع , و معناه كما قال العراقي هي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي نحو ما جائني من رجل , فانه قبل دخولها محتمل نفي الوحدة . و لهذا يصح معه بل رجلان , فاذادخلت من تعينت لنفي الجنس . أما الداخلة على نكرة تختص بالنفي  نحو ما جائني من أحد , فهي للتأكيد . قال كأنه نفي كل اله غيره عز و جل من مبتدا ما يقدر منها الى ما لا نهاية له . قال الشيخ عيسى السكتاني : " أقول , هذا التقدير يؤذن بأن معنى من التي لابتداء الغاية , ملحوظ في من هذه المقدرة , و ان كانت زائدة باعتبار عمل العامل فانظر هل ثم مساعد للمصنف " . و قال السنوسي : " و قيل بني الاسم معها للتركيب , كخمسة عشر " . و ذهب الزجاجي الى أن اسم لا معرب منصوب بها و حذف تنوينه تخفيفا , و اذا فرعنا على المشهور من البناء , فموضع الاسم نصب بلا العاملة عمل ان , و المجموع من لا اله في موضع رفع بالابتداء و الخبر المقدر بنحو موجود , أو مقصود , أو معبود , هو لهذا المبتدا , و لم تعمل فيه لا عند سيبويه , بل هو مرفوع بما كان مرفوعا به قبل , أعني بالمبتدا الذي هو لا و مدخولها . قلت , و لسيبويه في الاسم مذهبان , أحدهما لا عمل للا و هو المشهور من قوليه , و حجته  بما يطول ذكره . و الثاني أنها تعمل في الاسم و لا عمل لها في الخبر كما سبق . و قال الأخفش : " لا هي العاملة فيه أي في الخبر المقدر , و عملها في الاسم كسيبويه . فتلخص في اسم لا الذي هو اله قولان , الاعراب والبناء . وعلى المشهور من البناء قولان , هل بني للتركيب أو لتضمنه معنى من كما تقدم . قلت و التركيب الذي يوجب البناء اما مزجي كسيبويه , و اما على نية العاطف كخمسة عشر , و هو الذي ذكره الشيخ السنوسي , و حجة ذلك في المطولات و ضعفا معا . و هو قولان أيضا , و ان عددت اسما و خبرا لها خرجت لك أربعة أقوال . قيل عاملة في الاسم و الخبر و اسمها معرب و هو للزجاج . و قيل في الاسم و الخبر و اسمها مبني و هو للأخفش . و قيل عاملة في الاسم دون الخبر و هو أحد قولي سيبويه . و قيل لا عمل لها في الاسم و لا في الخبر و هو قوله الآخر و و الاسم عليها مبني . و الا , اما حرف استثناء و اما بمعنى غير , الاسم المعظم بعده مرفوع , و هو الأكثر و لم يأت في القرآن غيره . و رفعه اما على الخبرية أو البدلية و هذا هو المشهور الجاري على السنة المعربين , و هو رأي ابن مالك . فانه لما تكلم على حذف خبر لا العاملة عمل ان , قال : " و أكثر ما يحذفونه الحجازيون مع الا , نحو لا اله الا الله , و هذا يتعين أن يكون رفعه على البدلية لا على الاخبرية . ثم الأقرب أن يكون البدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر المتقدم ذكره , و يجوز أيضا نصبه على وجه . قيل مرجوح و هو على الاستثناء من الضمير في الخبر المقدر و العامل فيه النصب . خلاف فيه . قيل الا و قيل العامل فيما قبلها , الخ , ما ذكر من الأقوال الثمانية , و عندهم أن البدلية في باب النفي أرجح من النصب , للمشاكلة نحو ما قام أحد الا زيد بالرفع , الخ . واستشكل الاستثناء من وجوه مذكورة في المطولات , أو على أنه صفة اذا كان الا بمعنى غير , أي صفة للفظ اسم لا , اعرابا و بناء لأن حركة البناء الطارء يصح اتباعها لشبه ما قارنته بمعمول عامل اعراب كلا هنا و يا في النداء . ولا يصح الاتباع في الضمير في موجود , لأن الضمير لا ينعت . و قوله اذا كان الا بمعنى غير , يعني يعطي ما تيتحقه من الاعراب لما بعدها لأنها حرف لا تحتمل اعرابا و هي نعت على نحو البدل و العطف , الا في وجه الضمير في موجود , فانه لا يأتي هنا لأن الضمير لا ينعت كما تقدم قبله و وجه ضعفه معلوم في المطولات . قال في الجوهر الخاص , و قال بعض المعربين لها , أن رفع الا الله على البدل من اسم لا على المحل , لأن البدل اذا تعذر على اللفظ أبدل على الموضع و الخبر محذوف , لأن ما بعد الاستثناء يجب أن يكون ما قبله كلاما تاما , فلا بد من تقدير خبر أي لا اله موجود الا الله . قال , و ذكر في الكتاب أن أصل هذا التركيب الله اله , قدم الخبر لبطلان زعم المنكر فقيل اله الله , ثم أدخل حرف النفي في أولها و الا في وسطها للحصر , فصار لا اله الا الله , فحينئذ الله مبتدأ و اله خبره , و وفي المكمل لا اله خبر و الا الله مبتدأ , كقولك لا منطلق الا زيد . و قال الجاجي يجوزان , تنصب الا الله على الأصل في الاستثناء , ثم اعلم أن لفظة اله نكرة لأنه وضع لشيء لا بعينه , و أما لفظة الله فهو علم لأنه دال على شيء بعينه غير متناول غيره . و قال الكواشي في تفسير الله لا اله الا هو , أن محل الا هو بدل من محل لا اله الذي هو مبتدأ في محل رفع . و قال في قوله تعالى , " و هو الذي في السماء اله و في الأرض اله " , أي معبود , و قرىء " و هو الذي في السماء الله و في الأرض الله " , لأن معنى الله المعبود , انتهى كلامه و الله أعلم . تلخص من ك لامه في اعراب الا الله خمسة وجوه . ثلاثة في الرفع , و اثنان في النصب . أما الرفع فعلى الخبر و على البدل و على الابتداء . و أما النصب  فعلى الاستثناء و على أنه صفة اسم لا كما تقدم , و الا بمعنى غير . و قد ذكر الشيخ السنوسي و غيره سبعة وجوه , خمسة في الرفع و واثنان في النصب . الخمسة المتقدمة و زاد وجهين في الرفع . أحدهما أن الا الله معطوف , و الا عاطفة و لا يضر عدم التشريك في المعنى , اذ هي في هذا كبل و لكن تتبع ما قبلها لفظا فحسب , و هذا مذهب الكوفيين . و ضعف كما ذلك في المطولات , و الآخر الله نائب فاعل اله , و اله بمعنى مألوه فهو كمضروب في نحو لا مضروبا الا عبده , فيكون نائب فاعل أغنى عن الخبر , و المسوغ النفي و ضعف بما يطول ذكره . و معنى مألوه معبود من اله اذا عبد , و قد نظم بعضهم أقوالا للرفع و النصب في بيتين فقال :

                                                   مبتدأ       و خبر    و بدل               عطف و نعت  ثابت لا يجهل

                                                   في الله رفعا و انتصابا جعلا               ثنيا و نعتا  هكذا  قد   حصلا   

فائدة : قيل الكلمة المشرفة انشائية , و قيل خبرية , و الكل محتمل كما ذكره ابن عرفة و حكاه الرصاع في الآيات البينات له . فائدة : قال في السر المصون تنبيه كلمة لا اله الا الله , الاستثناء فيها لا يقال فيه متصلل أو منفصل . قلت , و عليه فالمنفي بها كل اله غيره تعالى , من مبدا ما يقدر منها الى ما لا نهاية له مما يقدر, أي ما تقدر ألوهيته , و يزعم مدعيها أنها حق , فيشمل اللأصنام و الشمس و الكواكب و ما لم نعلم مما ادعي , اذ الكل ألوهيته تقديرا حتى لو قدر المثل و النظير و هو نهاية و غاية ما ينفى . فلو كان الاستثناء متصلا لامتنع نفي أحد الطرفين . اما أن تقول المنفي بها جنس الاله , أي واجب الوجود لو قدر فيخرج عنك مطلق المعبود , و الكلمة نزلت في الرد على مطلق المعبود غير الله تعالى باجماع أهل التحقيق . أو منفصلا فيخرج المثل و النظير , فصح لا متصل و لا منفصل و الله أعلم . (تنبيه) ذكر في مفتاح الفلاح مباحث تتعلق بكلمة لا اله الا الله أردت ذكرها على سبيل الاختصار تتميما للفائدة . البحث الأول : قال النحات , اذا دخلت لا على نكرة تكون للنفي العام . فاذا قلت لا رجل في الدار نفيت القليل من الرجال و الكثير , و لهذا لا يصح أن تقول بعد ذلك بل رجل أو رجلان . البحث الثاني : قالت جماعة النحاة أن كلمة لا اله الا الله فيها حذف و اضمار و التقدير لا اله لنا , أو لا اله في الوجود الا الله , و فيه نظر لأنه لو كان التقدير هذا في لا اله لنا الا الله لم تكن لا اله الا الله مفيدة للتوحيد الحق , اذ يحتمل أن يقال هب أنه لا اله لنا الا الله , فلم قلتم أنه لا اله لجميع المحدثات و الممكنات الا الله تعالى , و الهكم اله واحد , و قال بعده لا اله الا هو الرحمان الرحيم و تمامه فيه . البحث الثالث : قولنا الله من لا اله الا الله ارتفع لأنه بدل من موضع لا مع اسمها , لأنك اذا قلت ما جائني رجل الا زيد , فقولك الا زيد مرفوع بالبدلية , لأن الابدال هو الاعراض عن الأول و الأخذ بالثاني , فصار التقدير ما جائني الا زيد , و هذا معقول لأنه يفيد نفي المجيء عن الكل الا عن زيد . و قولك جائني القوم الا زيد , البدلية فيه غير ممكنة لأن التقدير حينئذ جائني الا زيد , فيقتضي أنه جاء كل أحد الا زيدا و هذا محال . البحث الرابع : اتفق النحاة على أن محل الا في هذه الكلمة محل غير , فالتقدير لا اله غير الله . قال الشاعر :

                                                    و كل  أخ   مفارقه   أخوه                   لعمر    أبيك  الا  الفرقدان

المعنى , كل أخ مفارق الا الفرقدان , فانه لا يفارقه أخوه . قال تعالى : " لو كان فيهما آلهة الا الله " , التقدير , لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا , أو حملنا الا الله على الاستثناء لم يكن في لا اله الا الله توحيد محض , لأنه يصير التقدير لا اله , يستثنى منهم الله فنكون نفينا الآلهة و استثنينا منهم الله , بل عند من يقول بدليل الخطاب اثباتا لذلك , و هو كفر . فثبت أنه لو كانت كلمة الا محمولة على الاستثناء , لم يكن قولنا لا اله الا الله توحيدا محضا . و قد أجمعت العقلاء على أنه يفيد التوحيد المحض , فوجب حمل الا على معنى غير , حتى يكون معنى الكلام لا اله غير الله . البحث الخامس : قالت جماعة من الأصوليين , الاستثناء من النفي لا يكون اثباتا . و احتجوا بأن الاستثناء من قولك نفيت الشيء عن جهته , اذا صرفته عنها و اذا قلت لا عالم , ففيه الحكم بهذا العدم نفس هذا العدم . ثم اذا قلت عقبه الا زيد , فهذا الاستثناء يحتمل أن يكون الى الحكم , و عند زوال الحكم يبقى المستثنى مسكوتا عنه غير محكوم عليه , لا بالنفي و لا بالاثبات . فلا يلزم الثبوت . أما ان كان تأثير الاستثناء في صرف العدم و منعه , فيلزم تحقيق الثبوت , لأنه لما ارتفع العدم وجب حصول الوجود ضرورة . اذ لا واسطة بين النقيضين اذا ثبت ذلك , فعود الاستثناء بالحكم الى العدم الى من عوده الى نفس العدم , لأن الألفاظ و ضعت دالة على الأحكام الذهنية لا الموجودات الخارجية , فصرف ذلك الاستثناء الى الحكم بالعدم أواى من صرفه الى نفس ذلك العدم و تمامه فيه . البحث السادس : في بيان الاستثناء من النفي ليس باثبات , و قد جاء في الحديث و في العرف صور كثيرة في الاستثناء من النفي مع أنه لا يقتضي الثبوت , كقوله صلى الله عليه و سلم : " لا نكاح الا بولي " , و قوله صلى الله عليه و سلم : " لا صلاة الا بطهور " . و يقال في العرف " لا عز الا بالمال و لا مال الا بالرجال " . و المراد بالكل الاشتراط و ان ورد في صور أخرى , فالمراد بالاستثناء من النفي اثبات . فتقول لا بد أن يكون مجازا في أحد القسمين , فانظر تمامه فيه . البحث السابع : يجوز أن يقال لا رجل في الدار , و لا رجل الا في الدار . أما الأول , فانه يوجب نفي الرجال بالكلية , فان لا دخلت على النكرة فأفادت النفي العام . فلا يصح بعد ذلك أن تقول بل رجل أو رجلان . و انه نفي للماهية , و نفي الماهية يقتضي نفي جميع أفرادها . و أما قولنا لا رجل الا في الدار , يفيد ثبوت رجل واحد , فاذا قولنا لا رجل في الدار أقوى في الدلالة على عموم النفي من قولنا لا رجل في الدار , مع أن كل واحد منهما يفيد عموم النفي . و لما كان البناء على الفتح أقوى في الدلالة على العموم , اتفقوا عليه في قول لا اله الا الله . البحث الثامن : قيل تصور الاثبات مقدم على تصور النفي , لامكان تصور الثبات و ان لم يخطر معنى النفي و العدم على البال . و يمتنع تصور الاثبات لأن العدم غير معقول الا بالاضافة الى أمر معين . و اذا كان تصور الاثبات مقدما على تصور النفي , فلم جعل الذي هو الفرع مقدما , و أجيب عليه بأمور مذكورة في الأصل . البحث التاسع : لقائل أن يقول من عرف أن للعالم صانعا قادرا عالما موصوفا بصفات الألوهية الثابتة و السلبية , عرف الله تعلى معرفة تامة . فعدم الاله الثاني لا يزيده علما بحقيقة الاله و صفاته , لأن عدم الالهالثاني ليس عبارة عن وجود الاله الأول و لا صفة من صفاته , و العلم بذات الله تعالى و صفاته لا يكفي في تحقيق النجاة  , بل ما لا يعلم عدم الاله الثاني , فلا يحصل العلم المعتبر في النجاة . فان قلت لم كانت معرفة ذات الله تعالى و صفاته غير كافية في تحقيق النجاة , و كان العلم بعدم الاله الثاني معتبرا في تحقيق النجاة . فالجواب مذكور في الأصل , و تلخيصه أن معرفة الذات و الصفات المتقدم ذكرها لا يلزم من معرفتها معرفة الوحدانية بخلاف معرفة عدم الشريك , والله أعلم . البحث العاشر : في قوله هذه الكلمة على أحوال أدناها التلفظ بها , فتحقن دم قائلها و تحرز ماله . قال عليه السلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله , فاذا قالوها عصموا مني دمائهم و أموالهم الا بحقها و حسابهم على الله " . و يشترك المخلصون و المنافقون , فكل من تعلق بهذه الكلمة نال من بركتها و أحرز حضا من فوائدها . فمن طلب بها الدنيا نال الأمن فيها و السلامة , ومن طلب الآخرة فقد جمع بينه و بين الحظين و حاز السعادة في الدارين , و ليس بينها و بين الاقرار باللسان سوى درجة واحدة . و الحال الثاني أن يضم القول الى الاعتقاد بالقلب على سبيل التقليد . فالمقلد ليس بعالم و لا عارف , بل اختلفوا أن يكون مسلما ام لا . و للاعتقاد بالقلب درجات بحسب قوة الاعتقاد و ضعفه , و كثرة الاعتقاد و قلته . و الحال الثالث أن يثبت اعتقاده بالبراهين القطعية , كأصحاب البراهين الى عوام الخلق . و اعلم أن علوم الكاشفات ليس لها نهاية لأنها عبارة عن سفر العقل في مقام الجلال و الجمال و العظمة و الكبرياء و القدس . تنبيه : من انكشف له أسرار لا اله الا الله , أقبل على الله تعالى و أخلص عبادته اليه و لم يلتفت الى أحد سواه . فلا يرجو و لا يخاف غيره سواه , و لا يرى الضر و لا النفع الا منه و ترك من سواه , و تبرأ من الشرك الباطن و الظاهر , انتهى و الله أعلم . قوله تلاوة , أي و ما تلاوتها . الفصل الخامس : المتضمن للسؤال الخامس في تلاوة الكلمة المشرفة . قال في القاموس , تلوته كدعوته و رميته , تلوا كسموا , تبعته و تركته ضد . و القرآن و الكلام تلوته تلاوة ككتابة قرأته , و عبر عنها , أي التلاوة , الشيخ السنوسي بالضبط فقال : " الفصل الأول في ضبط هذه الكلمة و هو لغة الحفظ بحزم , و اصطلاحا تصحيح لفظ يتعلق بأوائل الكلم و أواسطها , بخلاف الاعراب فانه يتعلق بأواخر الكلم " . قلت , و من هذا يرد على السائل تقديم غيرها عليها من المعنى و الشرط و الأدب و الاعراب لتوقف الكل على الضبط الذي عبر عنه بالتلاوة , و هو كما قال في الجوهر الخاص . قال النووي رحمه الله تعالى في الأذكار , الصحيح المختار استحباب مد الذاكر كلمة لا اله الا الله ليتدبر معنى الذكر , اذ المقصود منه ذلك مع حضور القلب , و تقدم الكلام عليه . و قال الأستاذ العارف بالله تعالى سهل بن عبد الله : " اذا قلت لا اله الا الله مد الكلمة و انظر الى قدم الحق , فأثبته و انف ما سواه " . و يأيد هذا ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم , أنه قال : " من قال لا اله الا الله و مدها بالتعظيم , غفر الله له أربعة آلاف ذنب " , الحديث . و قال بعض الصوفية لا بأس أن لا يطيل الذاكر المد على حرف النفي جدا , خشية أن تدركه المنية في النفي دون الاثبات , و لهذا اختار بعضهم قصر الكلمة دون مدها لما ذكر . و ينبغي أن تحقق الهمزة من اله , لئلا تصير ياء , و كذا يفصح بالهمزة من الا و يشدد اللام بعدها , اذ كثيرا ما يلحن بعضهم فيرد الهمزة أيضا ياء  و يخفف اللام . و أما لفظ الله فلا يخلو اما أن يقف عليها الذاكر أم لا . فان وقف عليها تعين السكون , و ان وصلها بشيء آخر , بأن يقول لا اله الا الله وحده لا شريك له , فله فيها وجهان : الرفع وهو الأرجح , و النصب و هو المرجوح , انتهى كلامه . قلت , و من قوله و ينبغي الخ , كلام الشيخ السنوسي في شرح عقيدته الصغرى في الفصل الأول من الفصول السبعة في ضبطها ليت شعري من الناقل عن الآخر , و الله أعلم .

قال السكتاني : " و قد رأيت في بعض المقيدات أن في مد لا ثلاثة أقوال : الأول المد لأنه المطلوب , لما روي  كما تقدم . الثاني عدم المد لئلا يموت قبل الاستكمال . الثالث ان كافرا قصر و الا مد . قال , و يحتمل أن يكون مبنى هذا الخلاف على اشتراط النطق و عدمه في الايمان . قال و سكت عن تفخيم اللام من الجلالة و عن عدم مد ألفها جدا لسكون الوقف , انتهى " . و قال تاج الدين ابن عطاء الله في مفتاح الفلاح : " و من الناس من اختار موالاة الذكر بحيث تكون الكلمتان كالكلمة الواحدة , لا يقع بينهما تخلل خارجي و لا ذهني كي لا يأخذ الشيطان نصيبه , فانه في مثل هذا الموضع لبالمرصاد , لعلمه بضعف السالك على سلوك هذه الأودية , لبعده عن عادته لا سيما ان كان قريب عهد بالسلوك . وقالوا هذا أسرع فتحا للقلب و تقريبا من الرب , و قال بعضهم تطويل المدمن لا اله الا الله مستحب مندوب اليه لأن الذاكر في زمان المد يستحضر في ذهنه جميع الأضداد و الأنداد , ثم ينفيها و يعقب ذلك بقوله لا اله الا الله . فهو أقرب الى الاخلاص , لأنه يكون الاقرار بالألوهية , و هو و ان نفى بلا اله عينه , فقد أثبت بالا الله كونه . و منهم من قال , ان قصد الانتقال من الكفر الى الايمان , فترك المد أولى ليسرع الانتقال الى اليمان , و ان كان مؤمنا كما تقدم , انتهى كلامه رحمه الله تعالى . قوله ما فضلها , أي قال السائل المشار اليه في النظم و ما فضلها , الخ . الفصل السادس ,المتضمن للسؤال السادس في فضل الكلمة المشرفة . اعلم ان أفضل العبادة على الاطلاق ذكر الله تعالى , و أفضل الذكر لا اله الا الله , لقوله صلى الله عليه و سلم : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم ... " , الحديث , و لقوله عليه السلام : " أفضل ما قلته أنا و النبيئون من قبلي لا اله الا الله " . و لو لم يكن في بيان فضلها الا كونها علما على الايمان في الشرع , تعصم الدماء و الأموال الا بحقها , و كون ايمان الكافر موقوفا على النطق بها , لكان كافيا للعقل . كيف و قد ورد فيها آيات كثيرة و في فضلها أحاديث كثيرة أيضا تجل عن العبارة و تستقصي عن الاشارة , و من ذلك قوله تعالى : " يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا و بينكم " . قال أبو العالية هي لا اله الا الله . و منه قوله تعالى : " و لله المثل الأعلى " . قال قتادة رضي الله عنه : " هو لا اله الا الله " . و المثل الصفة , هكذا قال أهل التفسير . و نظيره قوله تعالى : " مثل الجنة التي وعد المتقون " , أي صفتها . و منه قوله تعالى : " فاعلم أنه لا اله الا الله " , أي اثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله تعالى , و به سميت كلمة الثبات , قاله زين الدين سبط المرصفي في الجوهر الخاص . قال و تسمى باقية . قال في المدارك هي لا اله الا الله . قال في مفتاح الفلاح : و قال كثير من المفسرين في قوله تعالى : " و جعلها كلمة باقية في عقبه " , أنها لا اله الا الله , و منه تسميتها بكلمة الحسنى , قال تعالى : " للذين أحسنوا الحسنى و زيادة " , أي الذين قالوا لا اله الا الله الحسنى , أي الجنة و الزيادة النظر الى وجه الله الكريم , لما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال : " اذا كان يوم القيامة يبعث المولى جلت قدرته ملكا الى أهل الجنة فيقول هل أنجزكم ربكم ما وعدكم , ثلاث مرات , قال فينظرون فما يفقدون شيءا , فيقول الملك بل لكم شيء لم تروه , ان الله تعالى يقول للذين أحسنوا الحسنى و زيادة , ألا ان الحسنى هي الجنة و الزيادة النظر الى وجهه الكريم " , انتهى . و منه تسميتها كلمة العدل , لقوله تعالى : " ان الله يأمر بالعدل و الاحسان " . قال ابن عباس : " العدل شهادة لا اله الا الله " . و منه الكلمة الطيبة , لقوله تعالى : " ضرب الله مثلا كلمة طيبة ..." , الآية , هي لا اله الا الله . و منه كلمة التقوى , لقوله تعالى : " و ألزمهم كلمة التقوى " , هي قول لا اله الا الله . و منه الكلمة العليا , قال تعالى : " و كلمة الله هي العليا " , هي قول لا اله الا الله . و منه كلمة العهد , لقوله تعالى : " لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمان عهدا " . قال ابن عباس : " هي قول لا اله الا الله . و منه كلمة المقاليد , قال تعالى : " له مقاليد السماوات و الأرض " , قال ابن عباس هي لا اله الا الله . و منه كلمة السداد , لقوله تعالى : " اتقوا الله و قولوا قولا سديدا " , هو قول لا اله الا الله . و منه كلمة الحق , لقوله تعالى : " و لا يملكون الشفاعة الا من شهد بالحق " , هو قول لا اله الا الله . و منه كلمة الصدق , لقوله تعالى : " و الذي جاء بالصدق " , قال أهل التفسير هو قول لا اله الا الله . و كذلك كلمة الاخلاص , و كلمة العصمة , و كلمة النجاةو العروة الوثقى , و كلمة الايمان , و دعوة الحق . و أما الأحاديث الواردة فيها فغايتها لا تدرك و نهايتها لا تحصى , و لكن أذكر منها بعضا على سبيل التقريب و الاختصار . منها ما رواه مالك في موطاه , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أفضل ما قلته أنا و النبيئون من قبلي لا اله الا الله وحده لا شريك له " . زاد الترمذي له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير , كما تقدم . و منها ما رواه الديلمي بسند يعمل به عن أنس ابن مالك رضي الله عنه , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " اذا قال العبد المسلم لا اله الا الله , خرقت السماوات حتى تقف بين يدي الله , فيقول اسكني , فتقول كيف أسكن و لم تغفر لقائلي , فيقول ما أجريتك على لسانه الا و قد غفرت له " . و منها ما رواه الشيخان عن عتبان ابن مالك رضي الله عنه , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله حرم على النار من فال لا اله الا الله يبتغي بذلك وجه الله " . و منها ما رواه الحكيم الترمذي عن زيد ابن أرقم , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الله عز و جل عهد الي أن لا يأتيني أحد من أمتي بلا اله الا الله لا يخلط به شيئا , الا وجبت له الجنة , قالوا يا رسول الله و ما الذي يخلط بلا اله الا الله , قال حرصا على الدنيا و جمعا لها و منعا لها , يقولون قول الأنبياء و يعملون عمل الجبابرة " . و قال صلى الله عليه وسلم : " ما فال أحد لا اله الا الله , الا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي الى العرش ما اجتنبت الكبائر " . و قيل في قوله تعالى , " اليه يصعد الكلم الطيب " , هو لا اله الا الله , " و العمل الصالح يرفعه " , أي هذه الكلمة تصعد بنفسها دون غيرها من الأعمال الصالحة , فانما يصعد بها ملائكة الأعمال , فتفتح لهذه الكلمة أبواب السماء , فلا ينغلق دونها باب حتى تفضي الى العرش فيغفر لقائلها , لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه و سلم قال : " ان لله عمودا بين يدي العرش فاذا قال العبد لا اله الا الله , اهتز ذلك العمود , فيقول له الله تعالى اسكن , فيقول كيف أسكن و لم تغفر لقائلها , فيقول قد غفرت له , فيسكن " . وروي أن العبد اذا قال لا اله الا الله أتت على صحيفته فلا تمر على خطيئة الا محتها حتى تجد حسنة مثلها فتسكن الى جنبها . و روي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : " قلت يا رسول الله , أمن الحسنات لا اله الا الله , قال من أفضل الحسنات " . و روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : " من قال لا اله الا الله ثلاث مرات في يومه , كانت له كفارة لكل ذنب أصابه في ذلك اليوم " . و روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : " يهتز العرش لثلاث , لقول المؤمن لا اله الا الله , و لكلمة الكفر و للغريب اذا مات في أرض غريبة " . و روي عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم , " من قال لا اله الا الله خالصا من قلبه و مدها بالتعظيم , غفر الله له أربعة آلاف ذنب من الكبائر , فان لم تكن له هذه الذنوب , غفر الله له من ذنب أبويه و أهله و جيرانه " , من الجوهر الخاص . و في شرح الصغرى للشيخ , زاد خالصا من قلبه بعد لا اله الا الله و قال غفر الله له باسناد الفعل الى الفاعل لا الى المفعول في الفعلين معا , و الله أعلم . و روى الترمذي و النسائي أنه صلى الله عليه و سلم قال : " أفضل الذكر لا اله الا الله , و أفضل الدعاء الحمد لله " . و روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : " يؤتى برجل الى الميزان , و يؤتى بتسعة و تسعين سجلا كل سجل منها مد البصر و فيها خطاياه و ذنوبه فتوضع في كفة الميزان , ثم تخرج بطاقة مقدار النملة فيها شهادة أن لا اله الا الله محمد رسول الله فتوضع في الكفة الأخرى , فترجح بخطاياه و ذنوبه " . و روى الترمذي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه و سلم قال : " ان التسبيح نصف الايمان و الحمد لله يملأ الميزان و لا اله الا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص اليه " . و قال صلى الله عليه و سلم لأبي طالب : " يا عمي قل لا اله الا الله كلمة أحاج لك بها عند الله تعالى " . و قال صلى الله عليه و سلم : " أتاني آت من ربي فأخبرني أنه من مات يشهد أن لا اله الا الله و حده لا شريك له فله الجنة " , فقال أبو ذر: " و ان زنى و ان سرق " , فقال عليه السلام : " و ان زنى و ان سرق " . و قال صلى الله عليه وسلم : " من دخل القبر بلا اله الا الله خلصه الله من النار " . و قال صلى الله عليه و سلم : " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله الا الله مخلصا من قلبه " . و قال صلى الله عليه و سلم : " من مات و هو يعلم أن لا اله الا الله دخل الجنة " . و قال صلى الله عليه و سلم : " لن يوافي عبد يوم القيامة يقول لا اله الا الله يبتغي بها وجه الله تعالى , الا حرمه الله تعالى على النار " . و قال صلى اللله عليه و سلم : " لا اله الا الله مفتاح الجنة " . و روي عن أنس رضي الله عنه , أن لا اله الا الله ثمن الجنة . و قال صلى الله عليه وسلم : " من لقن عند الموت لا اله الا الله دخل الجنة " . و قال صلى الله عليه و سلم : " لقنوا أمواتكم لا اله الا الله , فانها تهذم الذنوب هذما " , قالوا : "  يا رسول الله فان قالها في حياته " , قال : " هي أهذم و أهذم " . و في الاحياء , و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لو جاء قائل لا اله الا الله صادقا بتراب الأرض ذنوبا غفر الله له ذلك " . و فيه أيضا , و قال صلى الله عليه و سلم : " ليس على أهل لا اله الا الله وحشة في قبورهم و لا في نشورهم , كأني أنظر اليهم عند الصيحة بنفضون رِؤوسهم من التراب و يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن , ان ربنا لغفور شكور " . و فيه أيضا , و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي هريرة رضي الله عنه : " يا أبى هريرة , ان كل حسنة توزن يوم القيامة الا شهادة أن لا اله الا الله , فانها لا توضع في ميزان لأنها لو وضعت في ميزان من قالها صادقا , و ضعت السماوات السبع و الأرضون السبع و ما فيهن , لكان لا اله الا الله أرجح من ذلك " . و قال صلى الله عليه و سلم : " لتدخلن الجنة كلكم الا من أبى و شرد عن الله تعالى شرود البعير عن أهله " , فقيل يا رسول الله من  الذي يأبى , فقال : " من لم يقل لا اله الا الله , فأكثروا من ذكرها من قبل أن يحال بينكم و بينها , فانها كلمة التوحيد و هي كلمة الاخلاص و هي كلمة التقوى و هي الكلمة الطيبة و هي دعوة الحق و هي العروة الوثقى و هي ثمن الجنة " . و في الاحياء أيضا ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه : " فلت يا رسول الله أوصني " , قال : " أوصيك بتقوى الله تعالى فاذا عملت سيئة فأتبعها بحسنت تمحها " , قلت : " يا رسول الله , أمن الحسنات لا اله الا الله " , قال : " من أفضل الحسنات ...." . و فيه عن كعب : " أوحى الله تعالى الى موسى في التوراة , لولا من يقول لا اله الا الله لسلطت جهنم على أهل الدنيا " . و في الاحياء أيضا , و ذكر أبو الفضل الجوهري قال : " اذا دخل أهل الجنة سمعوا أشجارها و أنهارها و جميع ما فيها يقول لا اله الا الله , فيقول بعضهم لبعض كلمة كنا نغفل عنها في الدنيا " . و ذكر عياض في المدارك عن يونس ابن عبد الأعلا أنه أصابه شيء فرأى في المنام قائلا يقول : " اسم الله العظيم الأعظم لا اله الا الله " , فقالها و مسح ما وجعه فأصبح معافى . و ذكر ابن الفاكهاني أن ملازمة ذكرها عند دخول المنزل ينفي الفقر . و روي أن من قالها سبعين ألف مرة كانت فدائه من النار . و ذكر أبو محمد عبد الله بن أسعد اليمني اليافعي الشافعي في كتاب الارشاد و التطريز , في فضل ذكر لا اله الا الله و تلاوة  كتابه العزيز . عن الشيخ أبي زيد القرطبي , أنه قال : " سمعت في بعض الآثار من قال لا اله الا الله سبعين ألف مرة كانت فدائه من النار , فعملت على ذلك رجاء بركة الوعد أعمالا ادخرتها لنفسي , و عملت منها لأهلي و كان اذ ذاك يبيت معنا شاب كان يقال أنه يكاشف في بعض الأوقات بالجنة و النار , و كان في قلبي منه شيء , فاتفق أن استدعانا بعض الاخوان الى منزله , فنحن نتناول الطعام و الشراب و الشاب معنا اذ صاح صيحة منكرة واجتمع في نفسه و هو يقول يا عمي هذه أمي في النار و هو يصيح بصياح عظيم حتى لا يشك من سمعه أنه   من أمر . فلما رأيت ما به قلت في نفسي اليوم أجرب صدقه , فألهمني الله تعالى الى السبعين ألفا و لم يطلع على ذلك أحد الا الله تعالى . فقلت في نفسي الأثر حق و الذين رووه لنا صادقون , اللهم ان السبعين ألفا فداء هذه المرأة  أم الشاب . فما استتممت الخاطر في نفسي الا  أن قال يا عمي ها هي أخرجت و الحمد لله , فحصلت لي فائدتان , ايماني بصدق الأثر و سلامتي من الشاب و علمي بصدقه ", من شرح الصغرى للشيخ . و قال في الجوهر الخاص , و من خصائصها أن ملازمة ذكرها تنفي الفقر و تجلب اليسر و تدفع العسر و تكشف الهم و تورث الأنس و الهيبة و تحيي القلب حياة لا موت بعدها , و تنقذ قائلها من النار و تجنح به الى الجنة , و لذلك اختار السادات الصوفية ملازمتها في كل الأحوال .فمنهم من اتخذها وردا في كل يوم و ليلة لا يفتر عنها , و بعضهم في اليوم و الليلة سبعين ألف مرة , و كان بعض المنتسبين من الصوفية يذكرها في اليوم و الليلة اثني عشر ألف مرة . و من خصائصها أنه يستشفى بها من كل الأمراض , انتهى . قلت , و رأيت في بعض التقاييد و لم يحضر لي الآن أن الولي العارف بالله تعالى القطب المشهور سيدي عبد القادر الجيلي , كان يستشفي بها من كل الأمراض القلبية و البدنية , حتى من شكى الفقر و الله أعلم . قوله تكرارها أي و هو قول السائل وما المقصود من تكرارها . الفصل السابع : في الجواب على السؤال السابع , و هو ما المقصود من تكرارها مع اعتقاد نفي المنفي , و اثبات المثبت , قال في الجوهر الخاص : اعلم أن جهة المقاصد كثيرة . فمن الذاكرين من يقصد تكرارها امتثال الأمر , لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا " , اما مطلقا أو لكثرة الثواب و مضاعفته و حصول كثرة اليمن و البركة , اذ كل مرة من الدعاء عبادة مستقلة يحصل بها ان شاء الله تعالى ما قصده و نواه , فكان لكل امرء ما نوى . و منهم من يقصد بها المداومة على ذكر الحبيب محبة و رغبة . فقد ورد عنه صلى الله عليه و سلم : " ان أحب العمل الى الله أدومه " . و قال الامام النووي رحمه الله تعالى : " اختار أهل التربية و السلوك للمريدين ذكر لا اله الا الله و أمروهم بالمداومة عليها , و قالوا أنفع علاج في دفع الوسوسة  و الاقبال على ذكر الله تعالى و الاكثار منه . و قال القشيري رحمه الله تعالى : " الذكر ركن قوي في طريق الحق مأمور به , بل هو العمدة في هذه الطريقة , فلا يصل أحد الى الله تعالى الا بدوام الذكر . و منهم من يقصد بها نقاء القلب و جلائه من صداء الغفلة , فان القلب يصدء كما يصدء الحديد . و في الحديث الشريف : " ان القلوب تصدء كما يصدء الحديد , و جلاؤها لا اله الا الله " . و منهم من يقصد بتكرارها دوام نشر الاجلال و التعظيم للمذكور , كما أشار اليه في حديث بعض العارفين , لا اله الا الله تعظيما لجلال الله تعالى و جماله و كبريائه و عظمته و اقتداره . و منهم من يتلذذ بتكرار الذكر لما يجد له من الحلاوة العظيمة التي لا يكاد يعبر عنها , و كل من وجد في عبادته هذه الحلاوة , فقد أوتي في الدنيا الجزاء العاجل , اذ العامل لله تعالى يعطى جزائين : جزاء معجل و هو ما ذكر , و جزاء مأجل في الآخرة و هو الثواب . و غايته في الدنيا مقام المشاهدة و في الآخرة النظر الى وجه الله تعالى , و هذا هو الفوز الذي لا فوز فوقه . و قال بعض العارفين , الأكمل الذي ترد به على القلوب المواهب الالاهية و الفتوحات الربانية التي يقصر عنها الوصف , ان يلازم على ذكر لا اله الا الله مع لزوم أدبها , و قد تقدمت . و قال الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب ثمرات الأعمال : " من حافظ على قول لا اله الا الله طاهرا و داوم على ذكرها , و جعل لسانه مستغرقا فيها , فتح الله تعالى على قلبه نورا ينكشف به عن سرها , و تستغرقه أنوارها , و يشغف قلبه بذكرها , و تصطلمه ثمراتها , فيشرف بباطنه عن عجائب الملكوت ما لا تستطيع العبارة أن تحد وصفها و تعتها , و تلك نتائجها و ثمراتها . ثم تنعكس أذكاره الظاهرة باطنة , و كل ما دام على الذكر غلب باطنه على ظاهره , فيقوى ذكر الباطن و يفتر الذكر في الظاهر الى أن يقوى سلطان القلب على حركة اللسان , فتبطل حركة اللسان بالذكر و ينفرد القلب بالذكر , و كلما قوي باطنه ضعف ظاهره حتى لا يستطيع الذاكر أن يتلفظ بالذكر ظاهرا الا في وقت غفلة القلب , أو فترة ترد عليه , اذ الذكر ظاهرا وظيفة الغائبين , و ذكر القلب وظيفة الحاضرين . فاذا أخذ الذاكر الحاضر في أفعال الغائبين , استحق قلبه الأدب , ثم تتجوهر ثمرة قلبه دائما باشراق شمس الروح على القلب , فيستغرق القلب في الأنوار الروحانية و يكاشف من اللطائف الربانية و برد على قلبه و باطنه من الواردات القلبية , و يهجم عليه من الأحوال السنية ما يسترقه عن الصفات البشرية , و يرقيه الى المقامات و المنازل الملكية , و يعود بالكرامات التبعية للنبوءة المحمدية . ثم تستغرق روحه في بحر التوحيد , و يستخرج بلطيفة الفكر في معنى الذكر أسرارا لطيفة و معاني شريفة , فيبتغي ذكر القلب لها أول درجة رقت بها الى درجة التقوى , و أول اب فتح له من جنة المأوى , ثم فتح له بذكر القلب بعد اتقان ذكر اللسان بها باب جنة الخلد التي مفتاحها حقيقة لا اله الا الله , التي تفتح للقلب باب التذكر في آيات محكم التنزيل , و ما نزل به الروح الأمين من الأحكام على خير الأنام محمد صلى الله عليه و سلم . قال بعضهم : " رأيت في الواقعة كلمة لا , فقيل الا تراها مفتحة الفم كي لا تبلغ ما دون الله تعالى " , أراد بالفم النفي , فان من تجلي الحق تعالى تحقق بمعناها , فلم يشهد سوى الحق تعالى وحده و ليس معه غيره . و قال السهروردي رحمه الله تعالى : " اذا استولت الكلمة على اللسان يتشربها القلب , فلو سكت اللسان لم يسكت القلب . ثم تتجوهر في القلب و يتجوهرها , يستقر نور اليقين حتى اذا ذهبت صورة الكلمة من اللسان و القلب لا يزول نورها , و هذا الذكر هو المشاهدة و المكاشفة و المعاينة . و هذا هو المقصد الأقصى , حتى أن الذاكر الصادق يغيب عن المحسوس بحيث اّذا دخل عليه داخل من الناس , لا يعلم به لغيبته في الذكر من كمال أنسه و حلاوة ذكره , حتى يلتحق في غيبته في الذكر بالنائم , و الله الموفق , انتهى كلامه . قلت , و المقصود الأهم تجديد الايمان و به تحصل الزيادة فيه أو تصقيله و تنويره على القولين , أعني على قول من يقول بأن الايمان يزيد بزيادة الأعمال و ينقص بنقصها , و هو قول غير الحنفية . و على قول من يقول لا يزيد و لا ينقص و لكن يتصقلل و يتنور بكثرة الطاعات و العكس , و هو للحنيفية , لحديث تجديد الايمان , و هو ما رواه الامام أحمد ابن حنبل و الطبراني بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه , أنه قال , قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " جددوا ايمانكم " , قيل يا رسول الله كيف نجدد ايماننا , قال : " أكثروا من قول لا اله الا الله " . فعلى هذا المقصود بتكرارها العمل بالكتاب و بالسنة و الاجماع كما تقدم . و لهذا قال الامام تاج الدين في مفتاح الفلاح : " قيل اذا كان آخر الزمان , فليس لشيء  من الطاعات فضل كفضل لا اله الا الله , لأن صلاتهم و صيامهم يشوبها الرياء و السمعة , و صدقاتهم يشوبها الحرام و لا اله الا الله ذكر المؤمن , لا يذكر الله الا من صميم قلبه " , انتهى , و هو عجيب و الله أعلم . ثم قال عفى الله تعالى عنه :

 

                                             (  أقسام مد حرفه ما حده                 و هل يجوز تركه ما قصده  )

 

اشتمل البيت على خمسة فصول متضمنة لجواب خمس سؤالات و هي ما في الكلمة المشرفة من أقسام المد و ما من حروف المد فيها , و ما حد المد الذي فيها, و هل يجوز تركه أم لا , و ما يجب قصره فيما لا يجوز مده . فهذه خمسة من السبعة المتقدمة . فهي اثنى عشر فصلا . قوله أقسام مد , أي و ما في الكلمة المشرفة من أقسام المد . الفصل الثامن المتضمن لجواب السؤال الثامن في بيان أقسام المد , أي و ما في قول لا اله الا الله من أقسام المد . اعلم أن المد قسمه بعضهم الى ستة عشر قسما , و قسمه الشيخ خالد الأزهري في شرحه للجزرية الى أربعة عشر قسما . الأول , مد حجز كقوله تعالى : " آانذرتكم " , و سمي بذلك لدخول الألف بين الهمزتين حاجزة بينهما . الثاني , مد عدل كقوله تعالى : " و لا الضالين " , و سمي بذلك لأنه يعدل حركته و يسمى اللازم المشدد . الثالث , مد التمكين و يسمى المتصل أيضا , كقوله تعالى : " و السماء " , سمي به للتمكين من تحقيق الهمزة . الرابع , مد البسط , و يسمى المنفصل أيضا , كقوله تعالى : " بما أنزل اليك " , سمي به لأنه يبسط بين الكلمتين بساطا , أو لأنه يفصل بين الكلمتين . الخامس , مد الروم , كقوله تعالى : " هانتم " , سمي به لأنهم يرومون الهمزة و لا يحققونها , و انما يثبتونها و يشيرون اليها . السادس , مد الفرق , كقوله تعالى : " الله خير " , سمي به لأنه يفرق بين الاستفهام و الخبر . السابع , مد البنية , كقوله تعالى : " و زكرياء " , سمي به لأنه يبين بنية الممدود من المقصور . الثامن , مد البدل من الهمزة في نحو قوله تعالى : " آدم , و آمن , وايمان , و أوتوا العلم " , سمي به لأنه يبدل الهمزة الثانية من جنس حركة ما قبلها . التاسع , مد الأصل , نحو جاء و شاء , كان أصله جيء و شيء . العاشر , المد العرض المخفف , نحو نستعين , سمي به لعروض السكون في الوقف . الحادي عشر , المد الطبيعي كالألف من قال , و الواو من يقول , و الياء من العالمين , سمي بذلك لأن صاحب الطبيعة السليمة لا ينقص المد في ذلك عن مقدار حركتها . الثاني عشر , مد لازم مخفف , نحو ص , ق , يس . الثالث عشر , مد تعظيم , كالله , سمي به لأنه أوتي به لتعظيم الجلالة . الرابع عشر , مد مبالغة , كقوله تعالى : " أنه لا اله الا الله " , سمي بذلك للمبالغة في نفي الألوهية عما سوى الله تعالى . قلت و كلها ترجع الى قسمين , أصلي و فرعي . فالأصلي هو الذي لا تقوم ذات الحرف الا به , و يعرف بالمد الطبيعي , و لا يتوقف على سبب , نحو الذين آمنوا , و عفا , و هو كل ألف قبله فتحة , و لا يكون الا ساكنا . و كل واو ساكنة فبلها ضمة , و كل ياء ساكنة قبلها كسرة . قال بن الجزري :

                                                   فألف الجوف و أختاها وهي               حروف مد الهواء تنتهي

و الفرعي خلاف ذلك , و له سببان , اما همزة و اما سكون . و المد للسكون قسمان , لازم و عارض . و المد للهمزة قسمان , واجب و جائز . فاللازم ما لزم حالة واحدة في المد عند جميع القراء , و سمي لازما للزوم سببه , و الوجب ما اجتمع القراء على مده , لكن اختلفوا في مقداره , و سيأتي بيانه , و سمي واجبا لأنه لا يجب قصره . و الجائز ما جاز مده و قصره عند جميع القراء , و العارض من قسم الجائز و حكمه مثله , و هو ما عارضه السكون للوقف , و سيأتي ان شاء الله تعالى . قال ابن الجزري :

                                                   و المد  لازم و واجب  أتى               و جائز و هو قصر ثبتا

و المد اللازم الذي سببه السكون كما تقدم , ينقسم أيضا قسمين , الى كلي نحو الحاقة و الصاخة , و الى حرفي نحو ص و ق و ن . و المد الذي سببه الهمز ينقسم قسمين , لاحق له و سابق عليه . فالأول كآمن و ايمانا و أوتوا العلم و غيره . فلورش فيه المد و القصر و التوسط . و الثاني , و هو قسمان أيضا , الى متصل نحو جاء و سيءو ابءوا. سمي متصلا لاتصال الهمزة بحرفالمد في كلمة واحدة , و هو الوجب المتقدم ذكره , و سمي واجبا لوجوب مده عند القراء , و انما الخلاف في مقداره كما تقدم . و الى منفصل , و هو ما كان حرف المد في آخر كلمة و الهمزالذي هو سببه في أول كلمة أخرى , نحو أتى أمر الله , و هو من المد الجائز لاختلاف القراء فيه . فمنهم من لا يرى فيه الا المد و هو ورش و حمزة و عاصم و ابن عامر و الكسائي . و منهم من لا يرى فيه الا القصر , و هو ابن كثير و السوسي . و منهم من يرى الوجهين , و هو قالون و الدوري . فتلخص أن في الكلمة المشرفة من أقسام المد مد المبالغة , و هو مد لا كما تقدم , و باضافة اله صار مدا منفصلا . و قد عرف أن المد المنفصل من أقسام الجائز لاختلاف القراء فيه على ما تقدم . و في اله المد لأنه لحق سببه الذي هو الهمزة و هو من الجائز أيضا و الله أعلم , لأن الواجب خصصه ابن الجزري بقوله رحمه الله تعالى :

                                                 و واجب  ان  جاء  قبل  همزة              متصلا  ان  جمعا  بكلمة

كجاء مثلا يفهم منه الذي لا توجد فيه هذه القيود , فهو من المد الجائز , و لم أر من نبه عليه , و في حرف الاستثناء المد الطبيعي الأصلي المتقدم ذكره , و ترك النطق به لالتقاء الساكنين المتجانسين . و لذلك يظهر في الوقف و المد في الجلالة للتعظيم كما تقدم . و هو مد طبيعي أصلي , و اذا عرض له السكون للوقف صار المد لازما , أي حمل على الازم . قال الشيخ زكرياء : " و في المد للسكون المذكور ثلاثة أوجه , الطول حملا له على اللازم بجامع اللفظ , و التوسط لعروض السكون المنحط عن لزومه , و القصر بجواز التقاء الساكنين في الوقف . فاستغني عن المد , فتعين في الكلمة المشرفة أربعة أقسام , المد اثنان من الأصلي الطبيعي , و اثنان من الفرعي السببي " . و هذا معنى قوله أقسام مد , و الله أعلم . ثم قال حرفه , أي وما من حروف المد فيها . الفصل التاسع : في الجواب على السؤال التاسع , اعلم أن حروف المد ثلاثة يجمعها قولك (واي) , و تسمى حروف المد و اللين , لامتداد الصوت بها و لينه , أي سهولته . و أصل هذه الحروف الألف , لأنها لا تكون الا ساكنة و لا يكون ما قبلها الا مفتوحا . و أما الواو و الياء فلا يكونان حرفي مد الا بشرطين : أن يكونا ساكنين و أن يكون ما قبلهما حركة من جنسيهما , لأنهما لو تحركتا فلا تكونان حرفي مد , و ان كان ما قبلهما حركة غير مجانسة لهما , كذلك قال ابو العباس , و لا يمكن أن يدخل المد في هذه الحروف . و انما كان ذلك , لأن هذه الحروف أصوات و الحركات مأخوذة منها , بامتداد الصوت بها يتمكن و يسوغ فيها التطويل و التوسط و القصر , و لا يسوغ ذلك في شيء من الحروف سواهن . قال , و لذلك جاز وقوع الساكن المدغم بعدهن من أجل أن المد عوض عن الحركة و امتنع اجتماع الساكنينن اذا كانا حرفي سلامة . يعني به , و مع حرف العلة لا يمتنع اجتماع الساكنين . قال سيبويه : " و هذه الحروف الثلاثة أخفى الحروف لاتساع مخرجها " . قال : " و أخفاهن و أوسعهن مخرجا الألف , ثم الياء , ثم الواو " . قال ابن الجزري :

                                                فألف  الجوف  و أختاها  و هي              حروف  مد  للهواء  تنتهي

يعني أن هذه الحروف ليس لها مخرج محقق , و لا حيز تنتهي اليه كغيرها من حروف الهجاء  , بل مخرجها الجوف أي داخل الفم , و تنتهي بانتهاء هوائه , أي هواء الفم و هو الصوت . قال الامام شمس الدين البقري : " الجوف هو الخلاء الداخل في الفم لا حيز له محقق " . و تسمى هذه الثلاثة جوفية , لخروجها من الجوف و لأن النفس ما دام موجودا كانت موجودة , و اذا انقطع النفس انقطع المخرج . قال الشيخ زكرياء : " و تميز بتصعد الألف و تسفل الياء و اعتراض الواو بين التصعد و التسفل , و نسبت الى الجوف لأنه آخر انقطاع مخرجها , و سميت حروف المد و اللين لأنها تخرج بامتداد و لين من غير كلفة على اللسان لاتساع مخرجها . فان المخرج اذا اتسع , انتشر الصوت و امتد و لان . و اذا ضاق انضغط فيه الصوت أي انحبس و صلب . و كل حرف مساو لمخرجه الا هي و لذلك قبلت الزيادة " , انتهى . حروف المد هي التي لا يتصور وجود الحروف الا بها . فاذا لو قلت مثلا ب ت ث و لم تشبع الحروف , كانوا حركات , فاذا أشبعت الحركات الثلاثة التي على الحروف , و هي الفتحة مثلا , أوالكسرة أو الضمة , تولدت من حروف المد الثلاثة لأنها تنشأ عنها اذا أشبعت و الله أعلم . فتعين أن في الكلمة المشرفة من حروف المد الألف و هو أصلها و أوسعها مخرجا كما تقدم . و هذا معنى قوله أقسام مد حرفه , أي ما حرف المد الذي في لا اله الا الله , ثم قال ما حده , أي السؤال العاشر و ما حد المد فيها . الفصل العاشر : في جواب على حد المد في الكلمة المشرفة , أي مقداره . اعلم أن الأصل في المد ما أخرجه سعيد ابن منصور في سننه , قال : " حدثنا شهاب بن خراش , حدثني مسعود بن يزيد الكندي , قال : كان ابن مسعود يقرىء رجلا , فقرأ الرجل " انما الصدقات للفقراء و المساكين " , مرسلة , فقال ابن مسعود ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه و سلم . فقال كيف أقرأها يا عبد الرحمان . قال اقرأنيها " انما الصدقات للفقراء و المساكين " , فمدها . هذا حديث جليل في الباب أخرجه الطبراني في الكبير . و المد عبارة عن زيادة مط في حرف المد على المد الطبيعي , و هو الذي لا يقوم ذات حرف المد دونه , و القصر ترك الزيادة و ابقاء المد الطبيعي على حاله . و حروف المد الألف مطلقا و الواو و الياء بشرطين كما تقدم . و سببه لفظي و معنوي . فاللفظي اما همز أو سكون . فالمد يكون بعد حرف المد و قبله . فالثاني نحو آدم و آمن و اله , و الأول ان كان معه في كلمة واحدة فهو المتصل , نحو أولئك , يشاء الله , السوءى , كما تقدم . و ان كان حرف المد آخر كلمة و المد أول كلمة أخرى , فهو المنفصل , نحو يا أيها , قالوا آمنا و لا اله . و وجه المد لأجل الهمزة ان كان حرف المد خفي و الهمز صعب , فزيد في الخفي ليتمكن من النطق بالصعب و السكون , و ان تقدم , لكن زيادة بيان ينفع وجودها و لا يضر سقوطها . اما لازم وهو الذي لا يتغير في حاليه , نحو الضالين و دابة و أ لم , أو عارض و هو الذي يعرض للوقف و نحوه , نحو العباد و الحساب و نستعين و يوقنون . حالة الوقف , و فيه هدى , و قال لهم , و يقولون ربنا . حالة الادغام و وجه المد للسكون التمكن من الجمع بين الساكنين , فكأنه أي المد قام مقام حركة. و قد أجمع القراء على مد نوعي المتصل و ذي الساكن اللازم , و ان اختلفوا في مقداره و اختلفوا في مد النوعين الأخيرين , و هما المنفصل و ذو الساكن العارض , و في  قصرهما . فأما المتصل فاتفق الجمهور على مده , قولا واحدا مشبعا من غير افحاش . و ذهب آخرون الى تفاضله كتفاضل المنفصل . فالطول لحمزة و ورش , و دونها لعاصم , و دونها لابن عامر و الكسائي , و خلف دونها لأبي عمرو و الباقين , و ذهب بعضهم الى تفاوته . و أما المنفصل , و يقال له مد الفصل , لأنه يفصل بين الكلمتين , و مد البسط و مد الاعتبار لاعتبار الكلمتين من كلمة , و مد حرف بحرف أي مد كلمة لكلمة , و المد الجائز من أجل الخلاف في مده و قصره . فقد اختلفت العبارات في مقدار مده اختلافا لا يمكن ظبطه . و الحاصل أن له سبع مراتب : الأولى , القصر و هو حذف المد العرضي و ابقاء ذات حرف المد على ما فيها من غير زيادة , و هي في المنفصل خاصة لأبي جعفر و ابن كثير , و لأبي عمرو عند الجمهور . الثانية , فويق القصر قليلا و قدرت بألفين و بعضهم بألف و نصف , و هي لأبي عمرو في المتصل و المنفصل عند صاحب التيسير . الثالثة , فويقها قليلا و هي التوسط عند الجميع , و قدرت بثلاث ألفات , و قيل بأفين و نصف و بألفين على أن ما قبلها بألف و نصف , و هي لابن عامر و الكساءي في الضربين عند صاحب التيسير . الرابعة , فويقها قليلا و قدرت بأربع ألفات , و قيل بثلاث و نصف , و قيل بثلاث على الخلاف فيما قبلها , و هي لعاصم في الضربين عند صاحب التيسير . الخامسة , فويقها قليلا و قدرت بخمس ألفات و أربع و نصف , و بأربع على الخلاف , و هي فيهما لحمزة و ورش عنده . السادسة فويق ذلك , و قدرها الهذلي بخمس ألفات على تقدير الخامسة بأربع , و ذكر أنها لحمزة . السابعة , الافراط , قدرها الهذلي بست و ذكرها لورش . قال ابن الجزري : " و هذا الاختلاف في تقدير المراتب بالألفات لا تحقيق وراءه , بل هو لفظي , لأن المرتبة الدنيا و هي القصر اذا زيد عليها أدنى زيادة , صارت ثانية , ثم كذلك حتى تنتهي الى القصوى , فعلم من هذا أن الكلمة المشرفة كيفما نطق بها , جاز ما لم يخرج عن المراتب السبعة المذكورة . و أما المد العارضي فيجوز فيه لكل من القراء كل من الأوجه الثلاثة , المد و القصر و التوسط , و هي أوجه تخيير . فعلم أن الاسم الأعظم كيفما نطق به جاز ما لم يخرج به عما ذكر , أو يوصله كما تقدم . و أما السبب المعنوي , فهو قصد المبالغة في النفي , و هو سبب قوي مقصود عند العرب و ان كان أضعف من االلفظ عند القراء . و منه مد التعظيم في نحو لا اله الا الله , و لا اله الا هو , و لا اله الا أنت . و قد ورد عن أصحاب القصر في المنفصل لهذا المعنى , و يسمى مد المبالغة لأنه طلب للمبالغة في نفي الاهية ما سوى الله تعالى " . قال و هذا مذهب معروف عند العرب , لأنها تمد عند الدعاء و عند الاستغاثة و عند المبالغة في نفي شيء , يمدون ما لا أصل له بهذه العلة . قال ابن الجزري : " وقد ورد عن حمزة مد المبالغة في النفي في لا التي للتبرئة , نحو لا ريب فيه , لا شية فيها , لا مرد له , لا جرم , و قدره في ذلك وسط لا يبلغ الاشباع , لضعف سببه , نص ابن المقضاع " .

و قد يجتمع السببان اللفظي و المعنوي في نحو لا اله الا الله , و لا اكراه في الدين , و لا اثم عليه , فيمد لحمزة مدا مشبعا على أصله في المد لأجل الهمزة , و يلغي المعنوي اعمالا للأقوى و الغاء للأضعف . قاعدة : اذا تغير سبب المد جاز المد مراعاة للأصل , و القصر نظرا للفظ , سواء كان السبب همزا أو سكونا , و سواء تغير الهمز بين بين أو بابدال أو بحذف . و المد أولى فيما بقي لتغيره اثر نحو " هاؤلاء ان كنتم " في قراءة قالون و البزي , و القصر فيما ذهب اليه , نحو " ها "  في قراءة أبي عمرو . قاعدة أخرى : متى اجتمع سببان قوي و ضعيف , عمل بالقوي و ألغي الضعيف اجماعا , و يتخرج عليها فروع , منها الفرع السابق في اجتماع اللفظي و المعنوي , و منها نحو جاءوا أباهم , و رأى ايديهم , اذا قرىء لورش لا يجوز فيه القصر ولا التوسط بل الاشباع عملا بأقوى السببين و هو المد لأجل الهمز بعده , فان وقف على جاءوا , و رأى , جازت الأوجه الثلاثة بسبب تقدم الهمزة على حرف المد و ذهاب سببية الهمزة بعده , انتهى , من " الاتقان في علوم القرآن " . هذا معنى قوله ما حده و الله أعلم . فتعين في الكلمة المشرفة و في اسم الجلالة الذي هو آخرها , اذا استعملا في الذكر , يجوز فيهما الثلاثة الأوجه , و كذلك اله على ما تقدم . فمن علم ذلك فلا يعترض على ذاكرها بوجه , و الله الموفق للصواب و اليه المرجع و المئاب . قوله و هل يجوز تركه , أي ترك المد في لا اله الا الله . الفصل الحادي عشر : في الجواب على السائل هل يجوز