أهلا و سهلا بكم على موقع الطريقة الرحمانية الخلواتية القسنطينبة

المنتدىالمكتبةصوة و صورةالبوم الصورالرئيسية

 

 

 

باب

تدريج الأسماء

 

 

ولمّا فرغ من الكلام على شرائط الخلوة، شرع في بيان تدريج الأسماء، فقال

 

﴿ يا طالبا للسلوك*وصاعدا في السمك*تقصد مقام الملوك*سادتنا الصوفيا

 

السّلوك الدّخول بالرّوح في المقامات الإلهيّة بطريق الجدّ والاجتهاد ومخالفة الشّهوات والجهاد؛ السّمك ككتب جمع سماك ككتاب، ما يسمك به الشّيء؛ والملوك جمع ملِك بكسر اللاّم، كلّ من ملك نفسه، وصَفَت أحواله، وخلصت أعماله، وقصرت آماله، وصدقت أقواله، وقام بما عليه وترك ما له، ولا يتشوّق إلى ذلك ولا يستدعيه، ولا يُظهر من الخير ما ليس فيه، ولا يكتم من حاله ما الله مبديه؛ وقوله ساداتنا الصّوفيّا بدل من مفعول تقصد.

والمعنى يا طالب الوصول والانتظام في سلك السّالكين أهل السّعادات، والتّرقي إلى أعلى الدّرجات، أسقطْ عنك الحجب المانعة لك من تجلّي الأسماء والصّفات، وإلى ذلك أشار بقوله

 

﴿ أسقط عنك ذي الحجب*عدها عد محسوب*سبعون ألفا منسوب*بعد نسبة مولايا

 

رُوي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال }إنّ لله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه{، وفي رواية }ما أدركه حجاب النّور{ بدل }ما انتهى إليه بصره من خلقه{، قال سيّدي مصطفى البكريّ ]المراد من الحجب الّتي هي الظّلمة الذّنوب والخطايا، والمراد من الحجب الّتي هي النّور اِلتفاتات السّالك إلى اللّذّات الأخروية الجنانية، وإلى الكرامات والتّجلّيات والوصال وغير ذلك من المقامات والأحوال، لأنّ السّالك مادام في قلبه شيء من الأشياء فهو محجوب بذلك الشّيء عن الحقّ، ولذلك يطول السّلوك على السّالكين ويرجع بعضهم من ربع الطّريق وبعضهم من نصفه؛ والسّبحات جمع سُبحة بضمّ السّين كغرفة، وهو ما يُسبّح به، وهو في الحديث استعارة عن أشعّة أنوار ذاته تعالى[اهـ، وفي المصباح ]والسّبحات الّتي في الحديث جلاله وعظمته ونوره وبهاءه[اهـ كلامه، ثمّ قال سيّدي مصطفى البكريّ رحمه الله تعالى ]وهاهنا أربعة ضمائر، الأوّل في وجهه، والثّاني في إليه، والثّالث في بصره، والرّابع في خلقه؛ فإن أرجعت الأوّل والثّالث والرّابع إلى الله تعالى، وأرجعت الثّاني إلى ما الموصولة، كان معنى الحديث لو كشف الله تعالى الحجب لأحرقت أشعّة أنوار ذاته تعالى الأشياء الّتي ينتهي إليها بصره تعالى من خلفه عزّ وجلّ؛ وإن أرجعت الأوّل والثّاني والرّابع إلى الله تعالى، وأرجعت الثّالث إلى ما الموصولة، كان المعنى لو كشف الله الحجب لأحرقت أنوار أشعّة ذاته تعالى كلّ خَلق انتهى بصره إلى الله عزّ وجلّ؛ وعلى الوجه الثّاني فالمراد من الخلق الّذي انتهى بصره إلى الله تعالى هو السّالك الّذي قطع عقبات النّفوس وتخلّص من مقتضيات البشرية، وتهيّأ لقبول تجلّيات الأنوار الوجهيّة، أي لأحرقت أشعّة هذه الأنوار البقيّة الّتي بقيت في السّالك ولم يقدر على حرقها بنار المجاهدة، وذلك لأنّ السّالك يصل إلى المقام السّادس بالمجاهدة وأمّا وصوله إلى المقام السّابع فلا يكون إلا بجذبة من الحقّ تعالى، وهذه الجذبة هي مقام حقّ اليقين[اهـ.

وأشار بقوله بعد نسبة مولايا إلى ما ذكره صاحب التّحفة ولفظه ]وٱعلم أنّ بين العبد وربّه سبعين ألف حجاب من ظلمة ونور، حاجبة للمريد عن مراقبة ربّه عزّ وجلّ، وهي راجعة إلى العبد لأنّ الله تعالى لا يحجبه شيء[اهـ، فالعبد هو المحجوب، ومتى كان العبد محجوبا فهو بعيد عن الله تعالى، وليس المراد بالبُعد بُعد المسافة بل بُعد المناسبة كما صرّح به المصنّف رحمه الله تعالى، لأنّ الحقّّ سبحانه وتعالى منزّه عن القرب والبُعد الحِسيّيْن، وعن الجهة والزّمان والمكان.

 

مـقـامـات الـنّـفـس

وقوله

﴿ مرجعها سبعة*نفسك الأمارة*نفسك اللوامة*الملهمة التاليا

﴿ رابعة مطمئنة*خامسة راضية*سابعة كاملة*سادسة مرضيا

 

يعني أن السّبعين ألف حجاب الّتي بين العبد وربّه ترجع إلى سبعة أقسام، على عدد مقامات النّفوس السّبعة، وهي

الأمّارة بالسّوء، قال تعالى حكاية عن الصّديق الأكبر ﴿وما أبرّئ نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء﴾.

واللّوّامة، قال تعالى ﴿ولا أقسم بالنّفس اللّوامة﴾.

والمُلهَمة، قال تعالى ﴿ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها﴾.

والمطمئنّة.

الرّاضية.

المرضيّة، قال تعالى ﴿يا أيّتها النّفس المطمئنّة ٱرجعي إلى ربّك راضية مرضيّة﴾.

والسّابعة الكاملة.

 

 تـنـبـيـه، السّالك يقطع منازل معلومة عند أهل الطّريق، واحدة بعد واحدة، إلى أن يصل إلى آخرها، فينقطع السّلوك ولا تنقطع التّجلّيات لأنّها لا آخر لها، قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سرّه ]فحال السّالك في قطع المنازل كحال المسافر في قطع مراحل الطّريق المحسوسة، فكما يحتاج المسافر في سفره إلى الدّليل العارف بالطّريق وإلى الزّاد والرّاحلة و إلى الرّفقاء والسّلاح لمكافحة العدوّ وإرعابه، كذلك السّالك لا بدّ له من مرشد عارف بالطّريق قد سلكه وعرف خيره وشرّه، ولا بدّ له من زاد وهو التّقوى، ولابدّ له من راحلة وهي الهمّة، ولابدّ له من رفقاء وهم الإخوان الطّالبين مطلبه، ولا بدّ له من سلاح وهو الأسماء يرهب بها عدويه النّفس والشّيطان؛ كما أنّ المسافر يمرّ على بلاد ومدائن ويقيم فيها ثمّ يرحل عنها متوجّها إلى مطلبه، كذلك السّالك يمرّ في سيره على المقامات المشهورة بين أهل الله تعالى، وهي سبعة، الأوّل منها مقام ظلومات الأغيار، وتُسمّى فيه النّفس بالأمّارة. الثّاني مقام الأنوار، وتُسمّى النّفس فيه باللّوّامة. الثّالث مقام الأسرار، وتُسمّى النّفس فيه بالمُلهَمة. الرّابع مقام الكمال، وتُسمّى النّفس فيه بالمطمئنّة. الخامس مقام الوصال، وتُسمّى النّفس فيه بالرّاضية. السّادس مقام تجلّيات الأفعال، وتُسمى النّفس فيه بالمرضيّة. السّابع مقام تجلّيات الصّفات والأسماء، وتُسمّى النّفس فيه بالكاملة. وكلّما كان الإنسان في مقام من هذه المقامات كان محجوبا به عمّا بعده، فمَن كان في المقام الأوّل فهو محجوب بالأغيار عن مشاهدة الأنوار، ومَن كان في الثّاني فهو محجوب بالأنوار عن الأسرار، ومَن كان في الثّالث فهو محجوب بالأسرار عن الكمال، ومن كان في الرّابع فهو محجوب بالكمال عن الوصال، ومَن كان في الخامس فهو محجوب بالوصال عن تجلّيات الأفعال، ومَن كان في السّادس فهو محجوب بتجلّيات الأفعال عن تجلّيات الأسماء والصّفات، ومَن كان في السّابع فهو محجوب بتجلّيات الأسماء والصّفات عن تجلّيات الذّات، وتجلّي الذّات ممتنع لأنّه يعطي ظلمة كالنّظر إلى الشّمس فإنّ النّاظر إليها لا يبصر شيئا، ولذلك قالوا أنّ الحقّ لا يتجلّى من حيث ذاته على الموجودات إلاّ من وراء حجاب من حجب الأسماء، فحينئذ أعلى المقامات تجلّي الأسماء والصّفات، وأمّا تجلّي الذّات فهو شيء لا يمكن، مع أنّ القوم يذكرونه ويعرّفونه[.

 

 تـتـمّـة، التّجلّي عند القوم عبارة عمّا ينكشف لقلب السّالك من أنوار الغيوب، فإن كان مبدؤه الذّات من غير اعتبار صفة من الصّفات سُمّي عندهم تجلّي الذّات، وأكثر الأولياء ينكرونه ويقولون أنّه لا يحصل إلاّ بواسطة صفة من الصّفات، فيكون هذا من تجلّي الأسماء الّذي هو قريب من تجلّي الصّفات.

فتجلّي الأسماء هو ما ينكشف لقلب السّالك من أسمائه تعالى، فإذا تجلّى على السّالك ٱسم من أسمائه تعالى اِصطلم ذلك السّالك تحت أنوار ذلك الاسم، بحيث يصير إذا نودي الحقّ تعالى بذلك الاسم أجاب ذلك السّالك من غير اختيار.

وتجلّي الصّفات هو ما ينكشف لقلب السّالك من صفاته تعالى، فإذا تجلّى على السّالك بصفة من صفاته، وذلك بعد فناء صفة السّالك، ظهر على السّالك بعض آثار تلك الصّفة بفضل الله تعالى، مثلا إذا تجلّى الحقّ سبحانه بصفة السّمع صار السّالك يسمع نطق الجماد وغيره، وقسْ على ذلك سائر الصّفات.

وتجلّي الأفعال هو ما ينكشف لقلب السّالك من أفعاله تعالى، فإذا تجلّى الحقّ تعالى على السّالك بفعل من أفعاله انكشف للسّالك جريان قدرة الله تعالى في الأشياء، فيرى أنّه تعالى هو المحرّك والمسكّن، شهودا حاليّا لا يعرفه إلاّ أهله؛ ثمّ إنّ تجلّي الأفعال سابق على تجلّي الأسماء والصّفات، وتجلّي الأفعال مزلّة أقدام، يثبّت الله الّذين آمنوا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة.

 

 وٱعـلـم، أنّّ النّفس تطلق على البخار اللّطيف الحامل للحياة والحِسّ والحركة الإراديّة، وهي الّتي يسمّيها الحكماء الرّوح الحيوانيّ، وهو جوهر مشرق، فإن أشرق على ظاهر البدن وباطنه حصلت اليقظة، وإن أشرق على باطن البدن فقط حصل النّوم، وإن انقطع إشراقه عن البدن بالكلّية حصل الموت، فسبحان الصّانع الحكيم؛ ولا تختصّ بماهيّة الإنسان، وتُسمّى أيضا بالنّفس الشّهوانيّة، وإنّما المختصّ به النّفس النّاطقة، وهي جوهر مجرّد عن المادّة في ذاته مفارق لها في أفعاله، وهذه النّفس هي الّتي تُسمّى بالأسماء السّبعة المتقدّم ذكرها، فكلّما اتّصفت بصفة سُمّيت لأجل اتّصافها بها بٱسم من هذه الأسماء.

وبيان ذلك أنّ النّفس النّاطقة المعبّر عنها بالورقاء إن وافقت العين اللّطيفة المُسمّاة بالنّفس الشّهوانيّة كما مرّ، الّتي هي معدن الأخلاق الذّميمة، وصارت تحت حكمها، وتدنّست بالميل إلى الشّهوات، وصارت على صورة جهنم مشتملة على سبع دركات، كلّ دركة منها صفة لها وهي باب من أبواب جهنم يدخل من كلّ صفة منها إلى دركة من دركاتها السّبع، وهي الكِبْر والحرص والشّهوة والحسد والغضب والبخل والحقد، سُمّيت أمّارة، فمَن طهّرها من هذه الصّفات فقد عبر عن هذه الدّركات السّفليّة، ووصل إلى درجات الجنان العلويّة، ومَن لا فلا، قال تعالى﴿قد أفلح مَن زكّاها وقد خاب مَن دسّاها﴾؛

وإن سكنت تحت الأمر التّكليفيّ وأذعنت لإتّباع الحقّ مع بقاء ميل للشّهوات سُمّيت لوّامة؛

فإن زال هذا الميل وقويت على معارضة النّفس الشّهوانيّة وزاد ميلها إلى عالم القدس وتلقّت الإلهامات سُمّيت مُلْهَمَة؛

فإن سكن اضطرابها ولم يبق للنّفس الشّهوانيّة حكم، بل نسيتها، سُمّيت مطمئنّة؛

فإن ترقّت عن هذا وسقطت المقامات من عينها وفنيت عن جميع مراداتها سُمّيت راضية؛

فإن زاد هذا الحال سُمّيت مرضيّة عند الحقّ والخلق؛

فإن أمِرت بالرّجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم سُمّيت كاملة؛

وفي كلّ طور من هذه السّبعة أطوار عشرة آلاف حجاب، كلّ حجاب أكثف ممّا بعده وهكذا إلى آخرها، فأكثفها أوّلها وألطفها آخرها، فإذا ضربت عشرة آلاف في سبعة كانت سبعين ألفا، وهي المتقدّم ذكرها.

 وٱعـلـم، أنّ هذا الجوهر المجرّد المُسمّى بالنّفس النّاطقة له أسماء عديدة منها القلب ومنها اللّطيفة الإنسانيّة وحقيقة الإنسان، وهو المدرِكُ العالِمُ المخاطَبُ بالأوامر الشّرعيّة والمُطالَبُ بها.

ولمّا فرغ من الكلام على تقسيم النّفوس وعدد الحجب، ذكر ما يتعلّق بصفاتها ومقاماتها وعالمها وغير ذلك، فقال

 

الـنّـفـس الأمّـارة

 

﴿ أولها الأمارا*جهادها أكبرا*وصفها بلا مرا*حقد بخل وريا

 

لا خفاء في أنّ أدنى درجات السّالك الطّالب للكمال درجة الإنسان الحيوانيّ، لانخراطه وقتئذ في سلك الحيوانات، للاشتراك في الميل إلى الشّهوات ولا يتميّز عنهم إلاّ بالصّورة، ولا تكون نفسه إذ ذاك إلاّ أمّارة، وهي الّتي قال صلّى الله عليه وسلّم فيها }أعدى أعدائك نفسك الّتي بين جنبيك{، وهي أوّل النّفوس السّبعة على سبيل التّرقي كما أفاده قوله أوّلها الأمّارة.

وأشار بقوله جهادها أكبر إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم حين توجّه إلى المدينة المنوّرة من بعد غزواته }رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر{، فسمّي صلّى الله عليه وسلّم الضرب بالسّيف جهادا أصغرا وجهاد النّفس جهادا أكبرا، وذلك لأنّها في ظلمة الطّبيعة، فلا تفرّق بين الحقّ الباطل، ولا تميّز بين الخير والشّرّ، ولا يقدر الشّيطان على الدّخول على الإنسان إلاّ بواسطتها؛ وقوله أكبرا صفة للمفعول المطلق المحذوف، والتّقدير جهادها جهادا أكبرا.

ومن أوصافها ما صرّح به المصنّف رحمه الله تعالى، وهي الحقد والبخل والرّياء وغيرها من الصّفات الذّميمة المتقدّم ذكرها وما يتولّد منها ممّا يعرفه الإنسان من نفسه.

 

وأشار بقوله

﴿ مقامها يا مختار*في ظلومات الأغيار*عشرة آلاف أستار*تقطعها الكليا

 

إلى أنّ مقام الأمّارة ظلمات الأغيار، وأنّ أصحاب هذا المقام أو باب النّفوس الأمّارة محجوبون بالأغيار عن مشاهدة الأنوار، وجملة الحجب المحجوبين بها عشرة آلاف حجاب من ظلمة ساترة لهم عن مشاهدة أنوار الحقّ، ولذلك غرقوا في بحر الباطل والمخالفات، وهذه الحجب أكثف الحجب وأغلظها.

إذا علمت ذلك عرفت أنّ أوّل النّفوس، كما صرّح به المصنّف، النّفس الأمّارة، ومقامها ظلومات الأغيار، ووصفها الصّفات المتقدّم ذكرها، وحالها الميل إلى الشّهوات، وعالمها عالم الشّهادة، ومحلّها الصّدر بين الجنبين كما أخبر بذلك سيّد المرسلين صلّى الله وسلّم عليهم أجمعين، وواردها الشّريعة، ومسيرها إلى الله تعالى، قال تعالى عزّ وجلّ ﴿إلى الله مرجعهم جميعا﴾.

قوله

﴿ تقطعها بالتوحيد*كلمة أهل التمجيد*كثر منها يا مريد*سرا وعلانيا

 

الضمير في قوله تقطعها عائد على الحجب، يعني أنّ الحجب المذكورة يمزّقها السّالك ويقطعها بالرّياضة وذكر كلمة التّوحيد وهي لا إلـٰه إلاّ الله، بمدّ لا وتخفيف همزة إلـٰه وفتح هائه، وتسكين آخر لفظ الجلالة، وعدم فصل بين الهاء و إلاّ الله، ذكرا كثيرا، سرّا وعلانية، بقوّة عامّة للسّرّ والجهر، وهمّة تامّة ولا سيّما حالة الذّكر، قال سيّدي مصطفى البكريّ ]وليكن قولك لا إلـٰه إلاّ الله بقوّة وشدّة، كأنّك تضرب به الجانب الأيسر من صدرك، بحضور وخشوع وقوّة، وغمّضْ عينيك، وألق سمعك إلى ذكرك، ولازم الطّهارة، وجانب أكل الحرام[.

 

قوله

﴿ إياك تترك ذكرك*إذا لم يحضر قلبك*داوم وجاهد نفسك*واذكر بالقلبيا

 

نهى عن ترك الذّكر لعدم حضور القلب، وهو معنى قول ٱبن عطاء الله ]لا تترك الذّكر لعدم حضورك مع الله فيه[، نبّه بذلك على أنّه لا ينبغي أن تهمل الجوارح وإن انفردت، لأنّ لها نسبة في العبوديّة وهو الحضور بالصّورة، وفي المثل ]إن لم تكن إبل فمعزى[، فلا تزهد في الذّكر إذا كان بهذه الصّفة، ولا تصغر في عينيك فائدته وثمرته، فإنّ ذلك من تسويل الشّيطان لترغَب عنه وتتركه وذلك أقصى مراد الشّيطان، قال الشّيخ زرّوق ]أذكرْ مولاك كيف أمكنك وعلى أيّ وجه تيسّر لك لقوله تعالى ﴿كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرا﴾، فإنّ هذه الآية صريحة في عدم الاشتراط، إذ من الواضح أن ذلك لا يتغيّر بحضور ولا غَيْبَة[، وقال رجل ]يا رسول الله كثرت عليّ شعار الإسلام فأوصني بأمر أدرك به ما فاتني وأوجز[، فقال صلّى الله عليه وسلّم }لا يزال لسانك رطبا بذكر الله{، فلم يدلّه إلاّ على ذكر اللّسان، قال الشّيخ زرّوق ]إن تيسّر الحضور في الذّكر فهو الكمال وإلاّ فالاشتغال بمقدور العبد مقدّم على ما يدخل تحت اختياره[.

وأشار بقوله داوم وجاهد إلخ إلى أن المطلوب الدّوام على ذكر الله، قائما وقاعدا وعلى جنبك كما قال تعالى ﴿الّذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾، وجاهد نفسك بالرّياضة والمخالفة لها، قال تعالى ﴿والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا﴾، وليكن ذكرك بقلبك وقالبك أي جسمك وهيكلك، فإنّ التّأثير المطلوب من الذّكر لا يحصل إلاّ بالدّوام والاستهتار آناء اللّيل وأطراف النّهار، ولا سيّما مع الاستحضار؛ فإن لازمت ذلك ملأ الله تعالى قلبك بالأنوار، وأودع فيه الأسرار، وإلى هذا أشار المصنّف رحمه الله تعالى بقوله

﴿ يشعل في قلبك مصباح*ملكوتي قد لاح*تنظر عيوبك يا صاح*تشتغل بالتنقيا

 

يعني إن دمت على ملازمة الذّكر ومجاهدة النّفس بالقلب والقالب، أوقد الله تعالى نور بصيرتك الّتي هي كالمصباح، فتميّز حينئذ بين الحقّ والباطل وبين الخير والشّرّ، وتعرف المحمود والمذموم، فتجتهد في التّخلّي عن الأوصاف الذّميمة والتّحلّي بأضدادها، وتبدّل الأخلاق السّيّئة بالأخلاق الحسنة، مثلا يبدّل الله ما فيك من الكذب بالصّدق، وما فيك من الكِبْر بالتّواضع، والبغضاء بالمحبّة، والرّياء بالإخلاص، والشّهرة بالخمول، حتّى إذا كان لك صيت بين النّاس فٱلبس ثياب الخمول حتّى لا يبقى أحد يذكرك بذّم أو مدح.

وقوله ملكوتيّ أي من عالم الغيب، قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سرّه ]فالسّالك إذا كان في المقام الأوّل و تلقّى الاسم الأوّل من المُسَلِّك، وداوم على تلاوته مع الإكثار أناء اللّيل وأطراف النّهار، جهرا وسرّا، قياما وقعودا، مراعيا آداب الذّكر المتقدّم ذكرها، أوقد الله تعالى في باطنه ببركة هذا الاسم مصباحا ملكوتيّا، فيرى بعين قلبه القبائح الّتي هو منطو عليها، كارها لها، مستنكرا اتّصافه بها، متحسّرا عمّا فاته من الأوقات فيما لا يعني بعد ما كان في غفلة لا يعرف القبيح من الحسن إلاّ باللّسان، فيشمّر ويسعى حينئذ بالجدّ والإخلاص لما فيه من القبائح الظّاهرة كشرب الخمر والزّنا ولبس الحرير وأكل الحرام ونحو ذلك، ويجتهد في إخراج ما فيه من القبائح الباطنة كالكِبْر والحسد والشّحناء وأمثال ذلك، وكلّما زاد من الذّكر وداوم عليه زادت كراهيّته لأفعاله القبيحة وزاد سعيه في الخلاص منها[، قال ]وهذا أمر محقّق لا ينكره إلا ّمَن لم يجرّبه، وهذه أوّل كرامة يكرم الله تعالى بها هذا السّالك، يستعين على قطع الطّريق، وله في كلّ مقام كرامات، والمصباح المذكور هو أوّل الجذبة الرّحمانيّة، وكلّما دام السّالك على الذّكر مع المجاهدة قوي الجذب، حتّى يصل إلى أعلى درجات الكمال، فيقوى على حمل الأمانة وعلى التّجلّيات، قال ٱبن الفارض رحمه الله تعالى

ونهج سبيلي واضح لمَن اهتدى            ولكنّها الأهواء عمّت فأعمت[اهـ.

وقال سيّدي الحسن الشّاذليّ قدّس سرّه ]لا يزال المريد يذكر لا إلـٰه إلاّ الله بلسانه حتّى ينتقل معناها إلى جَنَانه، وتنكشف عن قلبه الحجب الظّلمانيّة الحاصلة من الذّنوب الماضية، فيشاهد بعَيْن البصيرة عيوب نفسه وقبائحها، شهود ذوق وحال لا شهود اعتقاد[، وقال ]وهذا أمر لا يعرفه إلاّ مَن ذاقه واشتعل مصباح قلبه، فدُمْ على هذا الذّكر مادام فيك شيء من أوصاف النّفس الأمّارة حتّى تنصقل مرآة قلبك ويزول عنها الرّيب المانع من إدراك حقائق الأشياء وفهم دقائق العلوم، لأنّ مرآة القلب إذا علاها صدى الأخلاق الذّميمة وجب الجدّ والاجتهاد في التخلّص منها والسّعيّ في جلائها، فإذا خلّصت نفسك بما ذكر من عيوبها المتقدّم ذكر بعضها، شاهدت بعض العجائب المكنونة والأسرار المخزونة، وترقّيت من مقام النّفس الأمّارة إلى مقام النّفس اللّوّامة[، ولذلك أشار المصنّف رحمه الله تعالى بقوله

 

الـنّـفـس اللـّوّامـة

 

﴿ ترجع نفسك لوامة*تذهب عنك الغمامة*تخرج من ذي الظلمة*مقامك نورانيا

 

يعني إذا مزّقت حجب ظلمة الأغيار بالمجاهدة وملازمة الذّكر أناء اللّيل وأطراف النّهار، انسلخت عنك صفات النّفس الأمّارة وتخلّيت منها بأسرها، واتّصفت بصفات النّفس اللّوّامة، وعرجت من مقام ظلمات الأغيار إلى مقام حجب الأنوار، فقوله تخرج من ذي الظّلمة أي حجب ظلمة الأغيار، وقوله تذهب عنك الغمامة أي تضمحّل، والغمامة السّحابة مطلقا أو السّحابة البيضاء، وأراد بها الحجب المذكورة، وقوله مقامك ٱسم يصير المحذوفة، والتّقدير يصير مقامك نورانيّا.

وأشار بذلك رحمه الله تعالى إلى أن النّوع الثّاني من أنواع النّفوس السّبعة النّفس اللّوّامة، ومقامها مقام الأنوار كما صرّح به المصنّف رحمه الله تعالى، وعالمها البرزخ، ومحلّها القلب، وحالها المحبّة، وواردها الطّريقة، وصفاتها اللّوم والفكر والعجب، والاعتراض على الخلق والرّياء الخفيّ وحبّ الشّهرة والرّياسة، وقد يبقى معها بعض أوصاف الأمّارة إلاّ أنّها مع هذه الأوصاف ترى الحقّ حقّا والباطل باطلا، وتعلم أنّ هذه الصّفات مذمومة، ولها رغبة في الطّاعة والمجاهدة وموافقة الشّرع، وسيرها إلى الله تعالى، ثمّ إنّ صاحب هذه النّفس يحبّ أن يطلع النّاس على أعماله الصّالحة مع أنّه يخفيها ولا يعمل لهم بل عمله لله، إلاّ أنّه يحبّ أن يُثنى عليه ويُمدح من جهة أعماله، ومع ذلك يكره تلك الخصلة ولا يمكنه إزالتها ولو أمكنه لكان من المخلصين، والمخلصون على خطر، وفي الحديث }كلّ النّاس هلكى إلاّ العاملون﴿*﴾   والعاملون هلكى إلاّ المخلصون والمخلصون على خطر عظيم{، وذلك لأنّ المخلص يحبّ أن يكون معروفا بالإخلاص وهذا هو الرّياء الخفيّ، فمَن كان بهذه الصّفة فهو في المقام الثّاني، وتُسمّى نفسه لوّامة كما مرّ.

 

قوله

﴿ تذكر إسم الجلالة*في الخلا وفي الملا*يشرع في قلبك جلا*لطيفة النفسيا

﴿ كثر منه بالكمال*واطلب مقام الرجال*تدخل عالم المثال*لطيفة القلبيا

 

يريد رحمه الله تعالى أنّ صاحب هذا المقام الثّاني يجب عليه ملازمة ذكر الجلالة الله الله بسكون الهاء آخر كلّ ٱسم، مستقبل القبلة إن أمكنه، مغمّضا عينيه، بشدّة وقوّة، على الكيفيّة المتقدّم ذكرها في آداب الذّكر، ويحقّق همزة الله ويمدّ الألف الّتي قبل الهاء، وليحذر أن تفضي به العجلة إلى أن يقول هلاّ هلاّ أو إلاّ إلاّ، وليس في الأذكار أوسع مددا ولا أقرب تأثيرا منه، فليكثر منه صاحب المقام أناء اللّيل وأطراف النّهار، منفردا في خلوته أو مع جماعة ذاكرين الله تعالى، لأنّه الاسم الأعظم الّذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى؛ وصاحب هذا المقام كثير الخواطر ونار هذا الاسم تحرقها، فكن مكثرا منه ولا تبال، فإذا فعلت ذلك انجلت الحجب النّورانية عن نفسك النّاطقة المعبّر عنها في كلام المصنّف باللّطيفة النّفسيّة بسرعة.

وقوله  كثّرْ منه بالكمال أمر بالإكثار من ذكر الجلالة فإنّه أجلّ الأسماء، ومحطّ رحال العلماء، الّذي اختاره متأخّرو الأولياء، وتحلّى به العارفون الأصفياء، طالبا بلوغ مقام رجال الله السّالكين، وهذا المقام أوّل مقامات المقرّبين.

وقوله تدخل عالم المثال قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سرّه ]فجاهد نفسك في هذا المقام وٱستخرجْ ما فيك من الكنوز، فالمشاهدة لا تحصل إلاّ بالمجاهدة، وامتحنْ نفسك فإنّك إن صدقت في الطّلب والمجاهدة انكشفت لك عجائب القلب وأفعاله وأسراره ودخلت عالم المثال، وهو عالم غير هذا العالم الّذي أنت فيه، ولا يعرفه إلاّ مَن كان في مقام القلب، وهو نهاية المقام الثّاني من المقامات السّبعة الّتي ليس للأبرار فيها نصيب إلاّ إذا سلكوا طريق المقرّبين، وفيه يرى السّالك الأمور الّتي لا تدرك بالحواسّ الخمس، لأنّ قلب المؤمن عرش الله تعالى وبيته، بمعنى أنّه محلّ لأن توضع فيه أسراره تعالى، فكنْ تابعا للشّريعة وهي أقواله صلّى الله عليه وسلّم، متخلّقا بالطّريقة وهي أفعاله صلّى الله عليه وسلّم من الجوع الكثير والنّوم القليل والصّمت، كان صلّى الله عليه وسلّم لا يتكلّم إلاّ بما فيه نفع، وكان صلّى الله عليه وسلّم كثير الصّمت، روى الإمام أحمد عن جابر بن سمرة أنّه قال )كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصّمت قليل الضّحك(، وعن أبي الدّرداء رضي الله تعالى عنه )كان صلّى الله عليه وسلّم لا يتحدّث حديثا إلاّ تبسّم(، فتتبّع أخلاقه وأحواله وٱعملْ بها، فإن فعلت تفجّرت ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك وكنت سالكا سبيل المقرّبين، وبهذا تزيد على الأبرار، ومن هنا تفارقهم إلى حضرة الجبّار، فأوّل منازلك في سفرك هذا عالم المثال، وفيه تجتمع بالأشباح الّتي هي صور بين كثافة الأجسام ولطافة الأرواح، وترى ما يسرّك وما يقوّي همّتك على السّلوك ويزيد شوقك، وتشتعل نار المحبّة في قلبك وتنقطع عنك جميع الشّهوات النّفسانيّة والأهواء الشّيطانيّة، وإن بقي عليك شهوات روحيّة فلا تضرّك في هذا المقام، لأنّ المطلوب منك حينئذ قطع الشّهوات النّفسيّة الّتي هي ظلمة بالنّسبة إلى ما بعدها[.

 وٱعـلـم، أنّ الدخول في عالم المثال لا يكون إلاّّ للسّالك، وهو حالة متوسّطة بين النّوم واليقظة، تعرض للسّالك وهو جالس غالبا ويسمّونها بالواقعة، ويَرى فيها ما يرى، بشرط أن يعلم المكان الّذي هو فيه والوقت الّذي هو فيه أيضا، ويعلم أنّه بين النّوم واليقظة، فإذا لم يكن كذلك فهو في مقام لا يعتدّ به ولا يعبّر عنه؛ وإنّما كانت هذه الحالة بين النّوم واليقظة لأنّ السّالك في البداية يغلب عليه جانب النّوم على جانب اليقظة، ثمّ يترقّى حتّى يصير جانب اليقظة أغلب فيرى حينئذ بعض الرّوحانيّين فيظنّ أنّه رآهم يقظة والحقّ أنّه رآهم في هذه الحالة، إلاّ أنّ همّته لمّا كانت عالية كانت هذه الحالة أقرب إلى اليقظة من النّوم فظنّ أنّه مستيقظ، وفي هذه الحالة تُرى روحانيّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فتُسمّى مشافهة، فيقال أنّ فلانا رأى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مشافهة، ولابدّ من ذهول يعتري السّالك حتّى ينكشف له عن ذلك.

 قال قدّس سرّه ]ولقد اجتمعت مع رجل من السّالكين فحلف لي أنّه رأى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعين رأسه ولم يكن نائما أصلا، فقلت له كيف رأيته، قال كنت في المكان الفلاني وكان معي أخي فلان فأقبل علينا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكلّمني وكلّمته ورأيته بعين رأسي، فقلت فهل رآه صلّى الله عليه وسلّم أخوك فلان، فقال لا، فقلت لو كانت الرّؤيا بعين رأسك لرآه كلّ مَن في مجلسك، فقال جزاك الله عنّي خيرا كنت تائها فدللتني على الطّريق، وأوضح لي المسألة فبيّنت له الأمر، إذا علمت هذا عرفت أنّ اليقظة الصّرفة لا يُرى فيها إلاّ ما هو في عالم المُلك، وأمّا ما هو في عالم الملكوت، الّذي عالم المثال شعبة منه، فلا يُرى إلاّ بعين البصيرة وإن كانت العينان مفتوحتين، وفي هذا العالم تكون الفهوانيّة[اهـ، وهي عندهم عبارة عن خطاب الحقّ بطريق المكافحة في عالم المثال كما قال، وقد يُلبس الشّيطان على السّالك هذا الأمر فيظنّ أنه رأى الحقّ والحال أنّه رأى الشّيطان، ولكن إن أعقبت هذه الرّؤيا علوما ومعارفا وإتّباعا للشّريعة والطّريقة فهي إكرام من الله تعالى لعبده وهي الفهوانيّة الصّحيحة، وإن أعقبت زندقة وإتّباع هوى فهو شيطان ليقطع السّالك عن الطّريق، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم }رأيت ربّي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمّد، قلت أنت أعلم أيْ ربّ، مرّتين{، قال }فوضع كفّه بين كتفي فوجدت بردها بين ثدييّ، فعلمت ما في السّماء وما في الأرض{، ثمّ قال صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية }وكذلك نري إبراهيم ملكوت السّماوات والأرض وليكون من الموقنين{، }ثمّ قال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمّد، قلت في الكفّارات، قال وما هي، قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد خلف الصّلوات وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره، من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويخرج من خطيئته كيوم ولدته أمّه، ومن الدّرجات إطعام الطّعام وبذل السّلام وأن يقوم باللّيل والنّاس نيام، قال الله تعالى قل اللّهمّ إنّي أسألك الطّيّبات وفعل الخيرات وترك المنكرات وحبّ المساكين وأن تغفر لي وترحمني وتتوب عليّ وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّني إليك غير مفتون{انتهى، وقوله }في أحسن صورة{ يحتمل أن يكون بيان حال الرّائي وهو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيكون معناه أنا في تلك الحال في أحسن صورة، ويحتمل أن يكون بيان حال المرئيّ وهو الرّبّ تعالى، والتّحقيق أن صورة الشّيء ما يتميّز به الشّيء عن غيره فتطلق على الذّوات والمعاني وغيرهما، فصورته تعالى ذاته المنزّهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء  كما قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير﴾؛ قال قدّس سره ]فهذه هي الفهوانيّة الصّحيحة لأنّها أعقبت هذه العلوم، وأمّا غيرها فأمور شيطانيّة، وقال صلّى الله عليه وسلّم }إذا نزل النّور في القلب انفتح وانشرح{، قيل )يا رسول الله هل لذلك من علامة(، قال صلّى الله عليه وسلّم }نعم، التّجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله[{.

 وٱعـلـم، أن القلب له جهة إلى عالم الشّهادة وهي الحواسّ الخمس، لأنّ القلب لا يدرك شيئا من عالم الشّهادة إلا بواسطة الحواسّ، وله جهة إلى عالم الغيب وهو عالم الملكوت، فمتى توجّه إلى عالم الشّهادة بالحواسّ أعرض عن عالم الغيب، ومتى أعرض عن مدركات الحواسّ الخمس توجّه إلى عالم الغيب، ولا يمكنه التّوجّه إلى العالمين معا في حال بدايته.

قوله لطيفة قلبيّا، يريد أنّ محلّ النّفس اللّوّامة اللّطيفة القلبيّة، واللّطيفة عند أهل الله عبارة عن كلّ إشارة دقيقة المعنى تلوح للفهم، لا تسعها العبارة، كعلوم الأذواق، والمراد بها هنا النّفس الإنسانيّة لا الحيوانيّة وهي النّفس النّاطقة، ويعبّر عنها باعتبار بعض صفاتها بالقلب، وهي في الحقيقة تنزل الرّوح إلى رتبة قريبة من النّفس مناسبة لها بوجه ومناسبة للقلب بوجه، ويُسمّى الوجه الأوّل الصّدر والثّاني القلب، وذلك لأنّ النّفس النّاطقة لها أطوار تلقّب في كلّ طور بٱسم مناسب لحالها ومحلّها.

 

الـنّـفـس المـلـهـمـة

قوله

﴿ ترجع نفسك ملهما*لست من أهل العمى*في الدنيا والقياما*كما جاء في الآيا

 

يعني أنّك أيّها المريد السّالك طريق أهل التّجريد إذا كثّرت من ذكر الجلالة على حسب ما مرّ، ومزّقت بالرّياضة والمجاهدة على القانون الشّرعيّ حجب مقام الأنوار وهي كما مرّ عشرة آلاف حجاب من نور، صارت نفسك منتظمة في سلك نوع النّفوس الملهَمة، وهو النّوع الثّالث من أنواع النّفوس، كما أفاده قوله ترجع نفسك ملهَمة، يعني أنّ النّفس حينئذ تُسمّى ملهَمة، ومقامها يُسمّى بمقام الأسرار، ومحلّها الرّوح، وواردها المعرفة، وحالها العشق، وسيرها إلى الله، بمعنى أنّ السّالك في هذا المقام لا يقع نظر بصيرته إلاّ على الله تعالى لفناء ما سوى الله في شهوده، وعالمها عالم الأرواح، وإنّما كان عالمها عالم الأرواح لتَرَوْحُن النّفس في هذا المقام وتعلّقها بالرّوحانيات للمناسبة المذكورة، وفنائها عن عالم الشّهادة، وصفاتها السّخاء والقناعة والعلم والتّواضع والصّبر والتّحلّم وتحمّل الأذى، والعفو عن النّاس وحملهم على الصّلاح وقبول عذرهم، وشهود أنّ الله تعالى آخذ بناصية كلّ دابة فلم يبق له اعتراض على مخلوق، ومن صفاتها الشّوق والهيمان والبكاء والقلق والاشتغال بالحقّ، والتّلوين وتعاقب القبض والبسط والخوف والرّجاء، وحبّ الأصوات الحسنة وزيادة الهيمان عند سماعها، وحبّ الذّكر وبشاشة الوجه والفرح بالله والمشاهدة، وسُمّيت ملهَمة لأنّ الله تعالى ألهمها فجورها وتقواها.

وقوله لست من أهل العمى إلخ يعني إذا صارت نفسك ملهمة واضمحلّت حجب الأنوار عنها وتمزّقت زال عنك العمى، وأدركت الأسرار الرّبانيّة، وتجلّت لك المعارف الإلهيّة، وحصلت لك المشاهدة في العاجلة والآجلة وفزت بها؛ والألف واللاّم في الآية للعهد، والمعهود قوله تعالى ﴿فمَن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى﴾، قال العلاّمة البيضاويّ ]ومَن كان في هذه الدّنيا أعمى القلب لا يبصر رشده كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النّجاة لزوال الاستعداد وفقدان الآلة[.

 

قوله

﴿ تذكر إسمه هو*بالهوينه والقوا*في الجلوة والخلوا*مقامك أسراريا

﴿ تبد لك الهويا*وحقيقة الأنيا*والأسرار القدسيا*تجفيك عن الدنيا

 

يريد رحمه الله تعالى أن صاحب هذا المقام الثّالث يتعيّن عليه ملازمة ذكر ٱسمه عزّ وجلّ هو، بشدّة وقوّة، على الكيفيّة السّابقة، مستقبل القبلة إن أمكنه، جالسا على ركبتيه أو قائما أو على جنبه، خالي البال، ملقيا سمعه إلى نطقه، مع طهارة الظّاهر والباطن، مداوما على ذلك، ملازما للإكثار آناء اللّيل وأطراف النّهار، لا يملّ ولا يضّجر، متلبّسا بالاستقامة، متمسّكا بالشّريعة والطّريقة، وليكن ذكره في بعض الأوقات لا هو إلاّ هو بدلا من هو هو، وفي حالة الذّكر يكون صاحب هذا المقام كأنّه يخاطب أعضاءه بأنّ ليس في الوجود إلاّ هويّة الحقّ تعالى.

وقوله بالهوينة أي بالسّكينة والوقار، والقوّة الشدّة ضدّ الضّعف؛ وقوله في الجلوة وفي الخلوة، الجلوة خارج الخلوة، والمراد الدّوام على ذكر ٱسمه عزّ وجلّ هو في الحالين، في حال خلوتك وحال جلوتك؛ وأشار بقوله مقامك أسراريا يعني أنّ صاحب النّفس الملهَمة يُسمّى مقامه بمقام الأسرار كما تقدّم.

وقوله تبد مجزوم في جواب الأمر، أي أن تذكر ٱسمه تعالى هو على الوجه السّابق، وذلك لأنّ صاحب هذا المقام يتعيّن عليه في حال ذكره الاسم المذكور أن يخاطب أعضاءه بأنّ ليس في الوجود إلاّ هويّة الحقّ تعالى كما مرّ، وأنّ كلّ ما سواه تعالى فهو صفاته عزّ وجلّ وأفعاله، وهذا مشهد عظيم، فإن كلّف السّالك نفسه بهذا الشّهود ولازمه صار ذلك له حالا، وهو الغاية القصوى والأمنية الّتي ما فوقها ما يتمنّى؛ والهويّة عند القوم عبارة عن الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النّواة على الشّجرة في الغيب المطلق، وألف الهويّا بدل من تاء التّأنيث، والأنيّا قال الرّاغب سامحه الله تعالى ]يقال أنيّة الشّيء كما يقال ذاته إشارة إلى وجوده[، ثمّ قال ]وهو لفظ محدث ليس من كلامهم[، وألفها في كلام المصنّف رحمه تعالى بدل من تاء التّأنيث أيضا للقافية، اهـ، وقال الإمام محي الدّين بن العربيّ الحاتميّ قدّس سرّه ]الهويّة هي الحقيقة في عالم الغيب، والأنيّة هي الحقيقة بطريق الإضافة[اهـ؛ وقوله والأسرار القدسيّة عطف على سابقه، وإذا تجلّت لك الأسرار القدسيّة حصل لك التّجافي عن الدّنيا دار الغرور بفنائك عن مشاهدتها، لأنّك حينئذ لا تشهد إلاّ الحقّ عزّ وجلّ.

 

قوله

﴿ ترى عين وحدتك*في قالب كثرتك*وكذاك كثرتك*في عين الوحدانيا

 

يعني أنّ صاحب هذا المقام لا يُحجب بالخلق عن الحقّ ولا بالحقّ عن الخلق، ولا بالكثرة عن الوحدة ولا بالوحدة عن الكثرة، بل يشهد الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة، ويشهد الحقّ تعالى ظاهرا في عين المظاهر، كما قال الإمام ٱبن عطاء الله ]مَن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار وحُجبت عنه شموس المعارف بسُحب الآثار[، قال الشّيخ زرّوق ]مَن رأى الكون وشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد توفّرت أنواره وظهرت معارفه وأسراره[، ولله درّ القائل

]ألاحظه  في كلّ شيء رأيـتـه          وأدعوه سرّا بالمنى فيجيب

    ملأت به قلبي وسمعي وناظري          و كلّي وأجزائي فأين يغيب[؛

والقالب بفتح اللاّم كثيرا وقد تكسر، المثال الّذي تفرغ فيه الجواهر، والمراد به هنا أشباح المكوّنات.

 تـنـبـيـه، الوحدة والكثرة عند علماء الظّاهر أختلِف في وجودهما في الأعيان، فأثبته الحكماء وأنكره المتكلّمون، قال في المقاصد ]والحقّ أنّهما من الاعتبارات العقليّة لا وجود لهما في الأعيان[، وفي شرح المواقف للسيّد ]الوحدة كون الشّيء بحيث لا ينقسم، والكثرة كونه بحيث ينقسم[.

قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سرّه ]وخاصيّة الاسم الثّالث ظهور المعارف القدسيّة والهويّة المطلقة السّارية في جميع الموجودات، وليكن ذكره له أوّلا بياء النّداء ثمّ بدونها، في جميع الأوقات، في القيام والقعود والاضطجاع، آناء اللّيل وأطراف النّهار، ليحصل انقطاع اِلتفات النّفس إلى المقام الأوّل، لأنّ الطبع يغلب التّطبّع، لأنّ خواصّ الأسماء لا تظهر إلاّ بكثرة الذّكر الجلّي القويّ والخفيّ مع الدّوام؛ والأدب بأن يكون الذّاكر مستقبل القبلة، جالسا على ركبتيه أو قائما، خالي البال، ملقيا سمعه إلى نطقه صاغيا لما يقوله، مع نظافة الظّاهر والباطن ودوام الطّهارة، متمسّكا بالشّريعة، فإذا تخلّق المريد بذلك وتطبّع به صار الاسم الثّالث هُجيراه، ومزّق حجب الأسرار وحصل له الفناء في الحقّ، فيحتجب بالجمال عن الصّور العينيّة وأحوالها وتعيّناتها، لأنّ الشّاهد والمشهود في هذه المرتبة ليس إلاّ الحقّ وحده، ويحتجب بالوحدة عن الكثرة فلا يرى إلاّ الحقّ متجلّيا في صور الأكوان كمّا صرّح به الإمام ٱبن عطاء الله بقوله مَن رأى الكون ولم يشهده فيه إلخ، قال شارحه والتّفرقة بين هذه الحقائق على ما هي عليه موكول إلى أربابه، فٱعتقدْ كمال التّنزيه وبطلان التّشبيه، وتمسّكْ بقوله عزّ وجلّ ﴿ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير﴾، فهاهنا زلّت أقدام كثير من الناّس[اهـ.

ولقد سعد سعد الدّين في مقاصده حيث قال ]وهاهنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والإتّحاد ليسا منه في شيء، الأوّل أنّ السالك إذا انتهى في سلوكه إلى الله وفي الله استغرق في بحر التّوحيد والعرفان، بحيث تضمحلّ ذاته في ذاته تعالى وصفاته في صفاته، ويغيب عن كلّ ما سواه، ولا يرى في الوجود إلاّ الله تعالى، وهذا الّذي يسمّونه الفناء في التّوحيد، وإليه يشير الحديث الإلهيّ }أنّ العبد لا يزال يتقرّب إليّ حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به{، وحينئذ ربّما تصدر منه عبارات تُشعر بحسب الظّاهر بحلول أو إتّحاد، لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وتعذّر الكشف عنها بالمقال، ونحن على ساحل التّمنّي نغترف من بحر التّوحيد بقدر الإمكان، ونعترف بأنّ طريق الفناء فيه العيان دون البرهان، والله الموفق.

الثاني أنّ الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلا، وإنّما الكثرة في الإضافات والتعيّنات الّتي هي بمنزلة الخيال والسّراب، إذ الكلّ في الحقيقة واحد يتكرّر على المظاهر لا بطريقة المخالطة، ويتكثّر في النّواظر لا بطريق الانقسام، فلا حلول هاهنا ولا إتّحاد لعدم الاثنينيّة والغيريّة، وكلامهم في ذلك طويل خارج عن طريق العقل والشّرع[اهـ كلامه.

ولقد كتب عليه العلاّمة المحقّق السيّد إبراهيم الشّهرزوريّ قدّس سرّه، ولفظه ما ذكره ]من أنّهما يوهمان الحلول والإتّحاد وليسا منه في شيء هو صحيح، ولكن زعمه أنّ الثّاني خارج من طريق العقل والشّرع باطل عن طريق العقل والشّرع كما هو باطل عن طريق الكشف، ولو فهم الأوّل حقّ الفهم لعلم أنّ الثّاني تحقيقه، ولو فهم الثّاني حقّ الفهم لعلم أنّ الأوّل لا يتمّ إلاّ به، ولو اكتفى فيهما بالاغتراف والاعتراف لكان أسلم وأولى، ولكن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء]، ثمّ أطال في ذلك وقال ]منشأ جميع الشّبهات إنّما هو عدم تصوّر معنى الوجود المطلق على ما يريده المحقّقون من أهل الله، فإنّ كلامه واضح الدّلالة على أنّه فهم من المطلق المعنى العامّ الّذي لا يوجد إلاّ في ضمن الخاصّ، أيّ الكلّي الّذي لا يتحقّق إلاّ في ضمن جزئيّاته، وهم لم يريدوا بالمطلق ذلك وحاشاهم، وإنّما أرادوا كما صرّحوا به في كتبهم بالوجود المطلق الموصوف المعرّى عن كلّ قيد زائد على ذاته، القائم بنفسه المتعيّن بذاته، أوسع التعيّنات، فهو الفرد الواحد الّذي لا ثاني له، وما أورده من أنّ الوجود المطلق مفهوم كلّي لا تحقّق له في الخارج وله أفراد كثيرة لا تكاد تتناهى والواجب موجود واحد لا تكثّر فيه غير وارد، لأنّ الوجود المطلق عند أهل الله ليس مفهوما كلّيا بل شخص واحد موجود بذاته، إذا تجلّى بظاهر ٱسمه النّور فأشرق على حقائق الكائنات ظهرت أحكامها وتحقّقت تعيّناتها، فالوجود المطلق عند القوم هو الشّخص الموجود بذاته الّذي لولا ظهوره في المكوّنات ما وقع عليها وجود أبصار، والظّهور المشهود في المكوّنات هو أدلّة الصّفات، أعني أدّلة العلم والإرادة والقدرة والوجود والوحدانيّة والحياة وغيرها، أمّا الصّفات نفسها فلا تحلّ في الأكوان ولا تحكيها الأكوان، إذ لا مثل ولا صورة[اهـ كلامه بتصرّف فيه، بمزجه بمعنى قول الإمام ٱبن عطاء الله رحمه الله تعالى ]الكون كلّه ظلمة لثبوت عدميته في الماضي بحقيقته، وفي المستقبل على حكم ذلك، وفي الحال لعدم استقلاله، فهو عدم مظلم، وإنّما أناره ظهور الحقّ فيه، فنورانيّة الأكوان عارضة لا ذاتيّة، أوجبها تجلّي نور الحقّ عليها وظهوره فيها، فالكون بالنّظر إلى ذاته عدم، وهو معنى ما أدرج في حديث }كان الله ولا شيء معه والآن على ما عليه كان{، فمَن فني بالحقّ غاب عن الخلق فلا يشهد إلاّ الواحد الأحد، وهو معنى الوحدة في الكثرة على سبيل التّقريب، المشار إليها بقول أرباب هذا المقام والآن على ما عليه كان[، ثمّ قال قدّس سرّه ]فكلامه[ يعني كلام التّفتزانيّ رحمه الله تعالى ]منحرف عن صوب الصّواب انحرافا تامّا، حقيق بقول القائل

)سارت مشرّقة وسرت مغرّبا        شتّان بين مشرّق ومغرّب(،

وسبحان الله، وكيف يتوهّم من قول مَن نصّ أنّ الواجب شخص واحد، والممكنات لا توجد إلاّ بإضافتها إليه لإشراق نوره على حقائقها ليس بموجود، مع أنّ الأشياء لم يحصل لها الوجود بمعنى الوجوديّة والانتساب إلى الوجود إلاّ بإشراق نوره على حقائقها، ولولاه ما وجدت، فتشنيعه مبنيّ على توهّم أنّ الوجود المطلق هو الكلّي لا غير، ولهذا قال وإلاّّ فتكثّر الموجودات، وكون الوجود المطلق مفهوما كلّيا لا تحقّق له إلاّ في الذّهن ضروريّ، وهو توهّم باطل، إذا تبيّن عقلا ونقلا أن الوجود المطلق موجود في الخارج شخص واحد متعيّن بذاته، فالتّكثّر إنّما هو في الموجودات الّتي هي محلّ ظهور إشراق الوجود الحقيقي، أعني الماهيّات باعتبار ظهور أحكامها وآثارها في الوجود، ثمّ قال والحاصل أنّه ليس المراد بالمطلق العامّ بالمعنى الكلّي حتّى يرد أنّه لا تحقّق للعامّ إلاّ في ضمن الخاصّ، بل المراد المعرّى عن كلّ قيد زائد على ذاته المتعيّن بذاته ولا شكّ أنّ ما هو كذلك فهو غنيّ عمّا سواه، وكلّ قيد فهو محتاج إليه، لأنّه قيّوم المقيّدات كلّها، فالأمر كما قالوا لا ما توهّمه، والّذي قالوه أنّه شخص واحد موجود بذاته متعيّن بذاته، دلّ على ذلك العقل والنّقل والكشف[اهـ باختصار.

وقد اعتنى بالردّ عليه جماعة من المحقّقين كشمس الدّين الفناريّ في كتابه مصباح الأنس، وبدر الدّين سيّدي عبد الرّحمٰن الحافيّ في كتابه الدّرة الفاخرة، وعلاء الدّين ﴿*﴾ في رسالته، وقد أقاموا براهين عديدة على وجود الوجود المطلق ووجوبه.

قال السّيّد الشّريف الجرجانيّ في حواشي التّجريد ]كلّ مفهوم مغاير للوجود فهو ممكن، ولا شيء من الممكن بواجب، فلا شيء من المفهومات المغايرة للوجود بواجب، وقد ثبت بالبرهان أنّ الواجب موجود، فهو لا يكون إلاّ عين الوجود الّذي هو موجود بذاته لا بأمر مغاير لذاته، ولمّا وجب أن يكون الواجب جزئيّا حقيقيّا قائما بذاته لا بأمر زائد على ذاته، وجب أن يكون الوجود أيضا كذلك إذ هو عينه، فلا يكون الوجود مفهوما كلّيا يمكن أن تكون له أفراد، بل هو في حدّ ذاته جزئيّ حقيقيّ ليس فيه إمكان تعدّد ولا انقسام، وقائم بذاته منزّه عن كونه عارضا لغيره، فيكون الواجب هو الوجود المطلق المعرّى عن التّقييد بغيره والانضمام إليه، وعلى هذا لا يُتصوّر عروض الوجود للماهيّات الممكنة، فليس معنى كونها موجودة، إلاّ أنّ لها نسبة مخصوصة إلى حضرة الوجود القائم بذاته، وتلك النّسبة على وجوه مختلفة وأنحاء شتّى يتعذّر الإطّلاع على ماهيّتها، ولا يعلمه إلاّ الرّاسخون[.

وقال الإمام الغزاليّ في كتابه مشكاة الأنوار ما نصّه ]ترقّى العارفون من حضيض المجاز إلى روح الحقيقة، واستكملوا معارجهم فرأوا بالمشاهدة والمعاينة أنّ لا شيء في الوجود إلاّ الله تعالى، وأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه، لا أنّه يصير هالكا في وقت من الأوقات بل هو هالك أزلا وأبدا، لا يُتصوّر إلاّ كذلك، فإنّ كلّ شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض، وإن اعتبرت من الوجه الّذي يسري إليه الوجود من الأوّل الحسيّ رئي موجودا لا في ذاته بل من الوجه الّذي يلي مُوجده فلكلّ شيء وجهان، وجه إلى نفسه ووجهه إلى ربّه، فهو باعتبار وجه نفسه عدم محض، وباعتبار وجه الله تعالى موجود، فإذًا لا موجود إلاّ الله تعالى ووجهه عزّ وجلّ، فإنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه أزلا وأبدا، ولم يفتقر هؤلاء إلى يوم القيامة ليسمعوا نداء المنادي لمَن الملك اليوم لله الواحد القهّار، بل هذا النّداء لا يفارق سمعهم أبدا، ولم يفهموا من معنى قوله الله أكبر أي أكبر من غيره حاش لله، إذ ليس في الوجود معه غيره، بل ليس لغيره رتبة المَعِيّة، بل ليس لغيره وجود إلاّ من الوجه الّذي يليه، فالموجود وجهه فقط، ومُحال أن يقال أنّه أكبر من وجهه، بل معناه أكبر ممَّن يقال له أكبر، بمعنى الإضافة والمقايسة، وأكبر من أن يدرك غيره كنه كبريائه، نبيّا كان أو مَلَكا، بل لا يعرف الله كنه معرفته إلاّ الله، إذ كلّ معروف داخل تحت سلطنة العارف واستيلائه دخولا مّا، وذلك ينافي الجلال والكبرياء[اهـ.

وقال السّيّد الشّريف الجرجانيّ في حواشي التّجريد ]فإن قلت ماذا تقول فيمَن يرى أنّ الوجود مع كونه عين الواجب وغير قابل للتجزيء والانقسام قد انبسط على هياكل الموجودات وظهر فيها، فلا يخلو عنه شيء من الأشياء بل هو حقيقتها وعينها، وإنّما امتازت وتعدّدت بتقييدات وتعيينات اعتباريّة، ونمثّل ذلك بالبحر وظهوره في صور الأمواج المتكاثرة مع أنّه ليس هناك إلاّ حقيقة البحر فقط، قلت قد سلف منّا كلام من أنّ هذا طور وراء طور العقل لا يُتوصّل إليه إلاّ بالمشاهدات الكشفيّة دون المناظرات العقليّة، وكلّ مُيسَّر لما خُلق له والله المستعان وعليه التوكّل[.

وقال الإمام الغزاليّ في الإحياء ]ومعنى الرّبوبيّة التّوحّد بالكمال والتّفرّد بالوجود على سبيل الاستقلال، فإنّ المشاركة في الوجود نقص، فكمال الشّمس في أنّها موجودة وحدها، فلو كان معها شمس غيرها كان نقصا في حقّها، والمنفرد بالوجود هو الله تعالى، إذ ليس معه موجود سواه، فإنّ ما سواه أثر من آثار قدرته، لا قوام له بذاته بل هو قائم به، فلم يكن موجودا معه لأنّ المعيّة توجب المساواة في الرّتبة، والمساواة في الرّتبة نقصان في الكمال، وكما أنّ إشراق نور الشّمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشّمس بل هو من جملة كمالها، وإنّما نقصانها بوجود شمس أخرى تساويها في الرّتبة مع الاستغناء عنها، فكذلك وجود كلّ ما في العالم يرجع إلى إشراق نور القدرة، فيكون تابعًا ولا يكون معًا، فإذًا معنى الرّبوبيّة التّفرّد بالوجود[، ثمّ قال بعد ذلك ]فإنّ أكمل الكمال أن يكون وجود غيرك منك[، وقال في كتاب الصّبر والشّكر من الإحياء ]النّظر بعين التّوحيد المحض يعرّفك أنّه ليس في الوجود غيره تعالى، لأنّ الغير هو الّذي يتصوّر أن يكون له بنفسه قوام، ومثل هذا الغير فلا وجود له بل هو محال، وما ليس بنفسه له قوام فليس له بنفسه وجود، بل هو قائم بغيره فهو موجود بغيره، وإنّما الموجود هو القائم بنفسه، فإذا قام به وجود غيره فهو قيّوم، ولا قيّوم إلاّ واحد، فإذًا ليس في الوجود إلاّ الحيّ القيّوم[انتهى.

 وحاصله، أنّ ذلك كلّه راجع إلى قولهم زيادة على حديث }كان الله ولا شيء معه والآن على ما عليه كان{، لأنّ جميع المكوّنات عدم محض باعتبار ما كانت عليه وما تؤول إليه، وبرهان ذلك قوله تعالى ﴿إنّني أراني أعصر خمرا﴾، وقوله تعالى ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، فمَن لاحظ هذا شاهد الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة من غير خروج عن القواعد الشّرعيّة والقوانين العقليّة، قال الشّيخ محي الدّين بن عربيّ في الباب الثّاني والعشرين وأربعمائة من الفتوحات

]على السّمع عوّلنا فكنّا أولي النّهى     ولا علم فيما لا يكون عن السّمع[،

وقال سيّدي أحمد بن هلال ]وكشف الغطاء عن رؤية الوحدة عين الكثرة والكثرة عين الوحدة، يكون من تجلّي أَحديّة الجمع، وهو شهود الذّات الأَحدِيّة متجلّية في الصّور المختلفة المُسمّاة بهياكل التّوحيد، فالكثرة ظاهرة في الشّهود، والوحدة باطنة في عين الكثرة والوجود، فالكثرة على ظاهر الوحدة، والوحدة في باطن الكثرة، فشهود الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة مع اندراج النّسب والتّعيّنات في الذّات الأَحدِيّة، وشهود الكثرة في الوحدة مع الهويّة في الإطلاق والتّقييد والتّعيّنات والمراتب، فيرى الحقّ في ذلك كلّه فلا ينافي حينئذ الإطلاق التّقييد ولا الوحدة الكثرة ولا بالعكس، فالهويّة في هذه الحضرة الجامعة للتّجلّيات تكون وحدة بالذّات وكثرة بالأسماء والتّعيّنات، ففي التّعيّنات تظهر الهويّة الخلقية فيكون المشهود هو الخلق والحقّ باطنا، لاحتجاب مرآة الهويّة بالتّعيّنات الظّاهرة فيها احتجاب المطلق بالمقيّد، ويظهر في هذا المشهود أيضا الحقّ تجلّيا ظاهرا مبيّنا للتّعيّنات بأسرها في مرآة العوالم والحقائق والأعيان، فيكون المشهود هو الحقّ ليس إلاّ، ويظهر أيضا فيه الحقّ والخلق في الحقّ، فلا يحصل الحجاب بأحدهما عن الآخر، بل يرى الهويّة حقّا من وجه ومرتبة وحضرة، وخلقا من وجه وحضرة ومرتبة، ولا تحجب الكثرة الوحدة ولا العكس، ولا يزاحم شهود كثرة المظاهر أَحديّة الذّات، ولا يزاحم شهود أحديّة الذّات الكثرة الخلقية، فالحقّ تعالى باطن من وجه، ظاهر من وجه، قال تعالى﴿هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن﴾، فلا يقدح ظهوره في بطونه، ولا يقدح بطونه في ظهوره، فهو تعالى باطن من حيث هو ظاهر وظاهر من حيث هو باطن[.

قال ﴿*﴾ في شرح الفصوص ]العارفون على ثلاثة أقسام، الأوّل مَن يرى الوحدة في الكثرة، الثّاني عكسه، الثّالث من يرى الكثرة في الوحدة عينها ويرى الوحدة في الكثرة عينها شهودا جمعيّا أحديّا، وذلك لأنّ الهويّة تقبل الأضداد والأمثال، لأنّها وسعت كلّ شيء وأحاطت بالكلّ وشملت الجميع حاصرة غير محصورة[.

سُئل أبو سعيد الخرّاز ]بم عرفت الله[، قال ]بجمعه بين الأضداد، ألم تر إلى ربّك كيف وصف هويّته الأَحدِيّة الجمعيّة بالأوّليّة والآخريّة والباطنيّة والظّاهريّة، مع ما بين هذه النّسب من التّضاد والتّنافي بقوله تعالى ﴿هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن﴾، فجعل هويّته الأَحدِيّة موضوعة، وحمل عليها هذا النّسب بلا تقييد، فالموصوف بالظّاهريّة والباطنيّة والأوّليّة والآخريّة هويّة واحدة لا اختلاف فيها ولا تضادّ، وهي قابلة لأوصاف متنافية ونعوت وأسماء متباينة ومتشاكلة ومتشابهة، إذا علمت ذلك عرفت أنّ الوحدة في الحقيقة والكثرة في الظّهور والطّريقة[.

وقال شارح الفصوص ]إذا كانت العين الواحدة ظاهرة بوجوه كثيرة مختلفة مفترقة ومؤتلفة متّفقة، وحيثيّات متعدّدة متباينة ومتنافية، فلا اختلاف إذن في الحقيقة والعين، بل في الحيثيّات التّعيّينيّة والاعتبارات التّعقليّة، فإذا اعتبرنا الحقيقة والعين قلنا بالوحدة الصّرفيّة، وإذا اعتبرنا الكثرة بالفرق والجمع قلنا بالكثرة[.

هذا ما يتعلّق بمسألة الفناء في التّوحيد الحاصل لأصحاب الاسم الثّالث على سبيل الاختصار.

 تـتـمّـة، النّاس على ثلاثة أقسام، فمنهم مَن فني في المكوّن عن الأكوان، وهم أرباب مقام الإحسان، وإلى هذا القسم يشير الإمام ٱبن عطاء الله رحمه الله تعالى بقوله ]مَن عرف الحقّ شهده في كلّ شيء، ومَن فني به غاب عن كلّ شيء، ومَن أحبّه لم يؤثّر عليه شيء[، وفي ذلك قيل

]قد عرفت الإله لم أرى غيرًا         وكذا الغير عندنا ممنوع[،

ومثله قوله  ]فالعارفون فنوا ولمّا يشهدوا        شيئا سوى المتكبّر المتعالي[.

ومنهم من عكس ذلك، وهم من حجبتهم الأكوان عن المكوّن، فكان فانيا بها غريقا في بحر الضّلال والغفلة، فالفاني عنها عبد بسطوات الشهود ذاهل، والفاني فيها عبد محجوب عن الحقّ جاهل غافل.

ومنهم من يشهد الحقّ قبلها أو بعدها أو فيها أو عندها، وهو عبد مخصّص كامل.

 

وفي هذا القدر كفاية، والله سبحانه وليّ التّوفيق والهداية.

 

الـنّـفـس المـطـمـئـنّـة

قوله

﴿ تسترح من التلوين*تدخل مقام التمكين*درجات الكاملين*نفسك إطمئنانيا

 

يعني إذا دمت على ذكر ٱسمه تعالى هو بالاستهتار، أناء اللّيل وأطراف النّهار، على الوجه السّابق، ومزّقتَ بالمجاهدة حجب مقام الأسرار وهي عشرة آلاف، استرحت من مقام التّلوين، وهو عند القوم مقام الطّلب والفحص عن طريق الاستقامة، وقال ٱبن عربيّ الحاتميّ ]هو تنقّل العبد في أطواره، وحال العبد فيه حال كلّ يوم هو في شأن[؛ ودخلتَ مقام التّمكين، وهو عند أهل الله تعالى مقام الرّسوخ والاستقرار على الاستقامة، وهو مرتبة السّالكين الكاملين، وصارت نفسك منتظمة في سلك النّفوس المطمئنّة، وهو النّوع الرّابع من أنواع النّفوس.

فمقام النّفس المطمئنّة يُسمّى بمقام الكمال، لأنّها كانت محجوبة عنه بمقام الأسرار، ومحلّها السّرّ، وعالمها الحقيقة المحمّديّة، وسيرها على الله تعالى، وحالها الطّمأنينة الصّادقة، وواردها بعض أسرار الشّريعة، وصفاتها الجود والتّوكّل والحِلم والعبادة والشّكر والرّضا والصّبر على البلاء، وعلامة الدّخول في هذا المقام عدم مفارقة الأمر التّكليفيّ والتّلذّذ بالتّخلّق بأخلاق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والعكوف على إتّباع أقواله، لأنّ هذا المقام مقام التّمكين وعين اليقين.

 

قوله

﴿ تشتغل باسمه حق*بالهوينة والفلق*واعرض عن نظر الخلق*تبد لك الحفيا

 

يعني أنّ المريد في هذا المقام يشتغل بذكر الاسم الرّابع وهو ٱسمه تعالى حقّ، مجرّدا عن حرف النّداء أو مقرونا به، بالسّكينة والوقار والقوّة والانزعاج، فيكثر من ذكره ولا يلتفت إلى غيره، فإنّ السّالك في هذا المقام قد يكرمه الله بظهور الكرمات ولا يسوغ له الالتفات إليها، بل يطلب من الحقّ تعالى أن لا يظهر له ما يكون سببا لانقطاعه عن خدمته وعن الوقوف ببابه، فالكُمَّل إذا أظهر الله تعالى على أيديهم شيئا من الخوارق لا يحسّون به ولا يشعرون؛ ولعدم الالتفات إلى غيره أشار بقوله أعرض عن نظر الخلق.

 وقوله تبد لك الحفيّا أي تتجلّى لك ثمرة ذكر ٱسم الحقّ تعالى، الّتي منها الميل إلى الأدعية والأوراد، ومحبّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم محبّة مغايرة للمحبّة الّتي كانت قبل هذا المقام، وإلتذاذ السّامعين بكلامه، حتّى لو تكلّم طول الدّهر لا يُمَلّ كلامه، لصيرورة لسانه يترجم عمّا ألقاه الله في قلبه من حقائق الأشياء وأسرار الشّريعة، فلا يتكلّم بكلمة إلاّ وهي مطابقة لما قاله الله تعالى أو الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، من غير مطالعة كتاب ولا سماع من أحد، لأنّه قد يسمع بغير السّمع ما ألقاه الله تعالى في روعه، وخلع عليه الوقار والقبول، وينبغي للسّالك في هذا المقام الاجتماع مع الخلق في بعض الأوقات ليعرض عليهم ما أنعم الله عليه ويترجم عمّا في قلبه من الحكم.

 

وأشار بقوله

﴿ لا تغفل عنه بحال*تبلغ مقام الرجال*وابغ دوام الكمال*في اللطيفة الروحيا

 

إلاّ أنّه يتعيّن على صاحب هذا المقام دوام ذكر هذا الاسم بالقلب إذا كان مع الخلق، وباللّسان والقلب في غير ذلك، ويكون هجيراه ذكر الحقّ تعالى، وبذلك يبلغ مقام الرّجال الكاملين ولا يُحرَم التّرقّي إلى المقامات الباقية.

وقوله وٱبغ دوام الكمال إلخ أي أطلبْ دوام كمال نفسك المطمئنّة، الّتي هي الجوهر النّوراني المُسمّى بالأسماء المتعدّدة، المعبّر عنه مرّة بالنّفس وآونة بالقلب وتارة بالرّوح وأخرى بالسّرّ وبالخفيّ، بحسب ظهوراته ومراتبه.

 

الـنّـفـس  الـرّاضـيـة

ثمّ أشار إلى المقام الخامس الّذي تُسمّى النّفس فيه راضية بقوله

         

﴿ إذا اطمأنت نفسك*وما زل  قدمك*مزج الشرع لحمك*ودمك ونوديا

﴿ بلسان سرالسر*عليك في حال السر*إرجعي يا نفس البر*إلى ربك راضيا

 

يعني إذا أتممت أيّها السّالك المقام الرّابع، ومزقّت حجبه المتقدّم ذكرها، وٱطمأنّت نفسك طمأنينة رحمانيّة أي سكنت بعد اضطراب وانزعاج سكونا رحمانيّا، ولم يزلّ قدمك عن إتّباع الكتاب والسّنّة ولو قدر شعرة أو شعيرة، وامتزج الإتّباع للشّريعة والطّريقة مع لحمك ودمك، وجذبتك يد الألطاف جذبة الكمال، وهي غير الجذبة الأولى الحاصلة أوّل السّلوك، ونودي بلسان سرّ السّرّ عليك أي على نفسك ﴿ياأيّتها النّفس المطمئنّة ٱرجعي إلى ربّك راضية مرضيّة.

 

A وٱعـلـم، أنّ السّرّ عند أهل الله هو لطيفة إنسانيّة مُودَعة في القلب، كالرّوح في البدن، وهو ألطف من الرّوح، وأصولهم تقتضي أنّه محلّ المشاهدة كما أنّ الرّوح محلّ المحبّة والقلب محلّ المعرفة، وقالوا ]السّرّ ما لك عليه إشراف وسرّ السّرّ ما لا إطّلاع عليه لغير الحقّ عزّ وجلّ[، وقالوا ]السّرّ ألطف من الرّوح، أشرف من القلب[، ويقولون ]الأسرار معتقة عن رقّ الأغيار من الإطلال والآثار[.

وجواب إذا اطمأنّت نفسك قوله رحمه الله تعالى

 

﴿ فيعتريك نسيان*فلا تدري وما كان*غبت عنه بإحسان*جمال جلاليا

 

أي يغشاك النّسيان أي عدم الحفظ لشيء، فلا تدري ولا تدرك شيئا من أمور الدّنيا والآخرة إلاّ إذا كان حاضرا عندك، ومتى غاب عنك غبت عنه بترقّيك لمقام الإحسان، المشار له في الحديث الصّحيح كما مرّ، وذلك لأنّ قلبك حينئذ لا يفتر عن مشاهدة جمال الحقّ وجلاله عزّ وجلّ؛ والجلال عندهم عبارة عن نعوت القهر من الحضرة الإلهيّة، وقيل ]هو احتجاب الحقّ تعالى عنا بعزّته من أن نعرفه بحقيقته، وهويّته كما يعرف هو ذاته، فإنّ ذاته سبحانه لا يدركها أحد على ما هو عليه إلاّ هو تعالى[، والجمال عبارة عن نعوت الرّحمة والألطاف من الحضرة الإلهيّة، وقيل ]هو تجلّيه بوجهه لذاته[، فلجماله المطلق جلال هو قهّاريّته للكلّ عند تجلّيه بوجهه فلم يبق أحد حين يراه وهو على حال الجمال، وله قرب يدنو به منّا وهو ظهوره في الكلّ، كما قيل

]جمالك في كلّ الحقائق سائر          وليس له إلاّ جلالك ساتر[.

 

قوله

﴿ ترجع نفسك راضية*بالوجود راضيا*فانيا لا باقيا*وصفها وراعيا

 

يعني إذا اتّصفت نفسك بما مرّ ذكره، ونودي عليها بلسان سرّ السّرّ كما قرّره، صارت نفسك حينئذ منتظمة في نوع النّفوس الرّاضية، وهو النّوع الخامس من أنواع النّفوس، ومقامها يُسمّى مقام الوصال لأنّها كانت محجوبة بمقام الكمال، وعالمها اللاّهوت، وسيرها في الله، ومحلّها سرّ السّرّ، وحالها الفناء لكن لا بمعنى ذهول الحواسّ عن المحسوسات بل بمعنى محو الصّفات البشريّة والتّهيّئ للبقاء من غير أن يعقبه البقاء في الحال، لأنّ ذلك البقاء هو حقّ اليقين وهو بعد هذا الفناء ويحصل في المقام السّابع الآتي إن شاء الله تعالى، و ليس للنّفس الرّاضية وارد، لأنّ الوارد إنّما يكون مع بقاء الأوصاف وقد زالت في هذا المقام، حتّى أنه لم يبق لها أثر، ولذلك كان السّالك في هذا المقام فانيا لا باقيا بنفسه كما كان قبل هذا المقام، ولا باقيا بالله كما سيكون في المقام السّابع، وهذه حالة لا تُدرى إلاّ ذوقا.

وصفات هذا النّفس الزّهد فيما سوى الله تعالى والإخلاص والورع، وهذا معنى قوله فانيا لا باقيا وصفها وراعيا، ومن أوصافها أيضا النّسيان والرّضا بكلّ ما يقع في الوجود من غير اختلاج قلب ولا توجّه لدفع مكروه ولا اعتراض أصلا، وإلى ذلك أشار المصنّف رحمه الله تعالى بقوله بالوجود راضيا، وإنّما اتّصفت بذلك لاستغراقها في شهود الجمال المطلق، ومع ذلك لا تحجبه هذه الحالة عن الإرشاد والنّصيحة للخلق، ولا يسمع أحد كلامه إلاّ وينتفع منه، كلّ ذلك وقلبه مشغول بعالم اللاّهوت وسرّ السّرّ، وصاحب هذا المقام غريق في بحر الأدب، ودعوته لا تردّ، وعلامة الوصول إلى هذا المقام عدم الرّكون إلى ما سوى الله تعالى، فمتى رأيت نفسك تركن لغيره فٱعلمْ أنّك لست من أصحاب هذا المقام، لأنّ صاحبه أشرفَ على سَلطنة الباطن الّتي جميع الظواهر تحت قهرها.

 تـنـبـيـه، يطلق الفناء عندهم على سقوط الأوصاف المذمومة، ويطلق مقابله وهو البقاء على قيام الأوصاف المحمودة، فإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين فمن المعلوم أنّه إذا لم يكن أحد القسمين كان الآخر، فمَن فني عن الأوصاف المذمومة ظهر عليه الخصال المحمودة، ومَن غلب عليه الخصال المذمومة استترت عليه الصّفات المحمودة، فمَن زهد في دنياه بقلبه يقال فني عن رغبته، فإذا فني عن رغبته بقي بصدق إنابته وهكذا، ومَن فني عن سيّئ الأخلاق بقي بحميدها، ومَن فني عن توهّم الآثار من الخلق بقي بصفات الحقّ، ومَن استولى عليه سلطان الحقيقة حتّى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ولا ٱسما ولا طللا يقال أنّه فني عن الخلق وبقي بالحقّ تعالى، وإذا قيل فني عن نفسه وعن الخلق فنفسه موجودة والخلق موجودون ولكنّه غافل عن نفسه وعن الخلق غير محسّ بهما، قال تعالى ﴿فلمّا رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهنّ﴾، أي لم يجدن عند لقاء يوسف عليه السّلام على الوهلة ألم قطع الأيدي وهنّ أضعف النّاس، ﴿وقلن ما هذا بشرا ولقد كان بشرا، ﴿وقلن إن هذا إلاّ ملك كريم ولم يكن مَلَكا، وهذا تغافل المخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق مثله فما ظنّك بمَن يُكاشَف بشهود الحقّ سبحانه وتعالى، فلو تغافل عن إحساسه بنفسه وبأبناء جنسه فأيّ أعجوبة فيه، وفي ذلك قيل

]وقوم تاه في أرض بقفره           وقوم تاه في ميدان حبّه

   فٱفنوا  ثمّ ٱفنوا  ثمّ ٱفنوا          وٱبقوا بالبقاء بقرب ربّه[،

فالأوّل فناء عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحقّ، ثمّ فناؤه عن صفات الحقّ بشهود الحقّ، ثم فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه في وجود الحقّ، قال الإمام القشيريّ ]فمَن فني عن جهله بقي بعلمه، ومَن فني عن أمنيته بقي بإرادته، وقسْ على ذلك سائر الصّفات[.

ثمّ أشار إلى بيان الاسم الّذي يشتغل بذكره صاحب هذا المقام، فقال

 

﴿ ذكرك يا حي بالسر*وبالشدة والجهر*لطيفة سر السر*مقامك وصاليا

 

يعني أنّ السّالك يتعيّن عليه في هذا المقام ذكر الاسم الخامس وهو ٱسمه جلّ وعلا حَيّ، مجردا من حرف النّداء أو مقرونا به، بالسّر وبالقوّة والجهر، كمّا صرّح به المصنّف رحمه الله تعالى.

وأشار بقوله لطيفة سرّ السّرّ إلى محلّ النّفس الرّاضية كما مرّ، كما أشار إلى مقامها بقوله مقامك وصاليّا، يعني أنّ مقام النّفس الرّاضية يُسمّى مقام الوصال كما سبق.

 

قوله

﴿ كثر منه بالعنا*يذهب عنك ذا الفنا*يسطع في قلبك سنا*تحيا به باقيا

﴿ تدخل به على الباب*لمنازل الأحباب*دعاؤك يستجاب*وصفك كماليا

 

أي كثّرْ من ذكر ٱسمه تعالى حَيّ، واستهترْ بذكره آناء اللّيل وأطراف النّهار، مستغرقا أوقاتك به، قائما أو قاعدا أو على جنبك، سرّا أو جهرا، بالقوّة والمجاهدة والتّعب، يحصل الامتزاج وتستغني عن العلاج، ويذهب أي يضمحلّ ويزول عنك الفناء الحاصل لك في هذا المقام، وإلى هذا أشار بقوله يذهب عنك ذا الفنا؛ وقوله يسطع في قلبك سَنا أي يرتفع في قلبك شعاع أنوار التّجلّيات، ويحصل لك البقاء بالحَيّ والاتّصاف بالصّفات الجميلة، وتدخل بالإكثار من ذكر ٱسمه تعالى حَيّ على الباب إلى منازل حضرة الأحباب، وصار دعاؤك مستجابا، قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سرّه ]وكلّما اشتغلتَ بهذا الاسم زال فناؤك وبقيت بالحَيّ واتّصفت بالصّفات الكماليّة، وهو معنى قوله عزّ وجلّ في الحديث القدسيّ }كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به{، المعبّر عنه بقرب النّوافل[، وإليه أشار المصنّف رحمه الله تعالى بقوله وصفك كماليّا.

ثمّ قال رحمه الله تعالى

﴿ زد معه أسما الفروع*يسرع فيك ذا الوقوع*لئلا تكن مرجوع*عن مقام المرضيا

 

يعني أنّ السّالك إذا وصل إلى مقام ذكر الاسم الخامس وهو حَيّ كما مرّ، فلا يقتصر على ذكره فقط كما في غيره من الأسماء السّبعة بل يزيد عليه ذكر أسماء أُخَر من أسماء الله تعالى يقال لها أسماء الفروع، وهي ٱسمه تعالى الوهّاب، الفتّاح، الواحد، الأحد، الصّمد، فعلى السّالك في هذا المقام أن يشتغل بٱسمه تعالى الفتّاح، أو بٱسمه تعالى الوهّاب مع الاسم الخامس وهو الحَيّ عزّ وجلّ، يسهل عليه الانتقال إلى المقام السّادس، وهو مراد الشّيخ رحمه الله تعالى بقوله يسرع فيك ذا الوقوع، وقوله لئلاّ تكن مرجوع علّة لزيادة أسماء الفروع مع ٱسمه تعالى الحَقّ، المرجوع المصّروف، وعن مقام المرضيّة يتعلّق به.

 

الـنّـفـس الـمـرضـيّـة

قوله

﴿ ترجع نفسك مرضية*عند الخلق أو حقيا*بالفضائل محضيا*في اللطيفة الخفيا

 

يعني إذا اشتغلت بالاسم الخامس مع أسماء الفروع كما مرّ، وزال فناؤك واضمحلّت حجب مقام الوصال وحصل لك البقاء، صارت نفسك حينئذ منتظمة في نوع النّفوس المرضيّة وهو النّوع السّادس من أنواع النّفوس، فلقبها حينئذ النّفس المرضيّة أي عند الحقّ تعالى وعند الخلق، بالفضائل كما صرّح به المصنّف رحمه الله تعالى، وسيرها على الله تعالى، وعالمها عالم الشّهادة، وحالها الحيرة، وواردها الشّريعة، ومحلّها لطيفة الخفاء وإليه أشار المصنّف رحمه الله تعالى بقوله في اللّطيفة الخفيّا.

وصفاتها الصّفح عن ذنوب الخلق وحملهم على الصّلاح وحبّهم وحسن الخلق واللّطف بالخلق، كما قال المصنّف رحمه الله تعالى

 

﴿ وصفها اللطف بالخلق*وترك ما سوى الحق*تجمع بين حب الخلق*وحب الحق مولايا

 

ووجه تلقيبها بالمرضيّة هو أنّ الله تعالى رَضِيَ عنها، ومعنى كون سيرها عن الله أنّها أخذت ما تحتاجه من العلوم من حضرة الله الحيّ القيّوم ورجعت من عالم الغيب إلى عالم الشّهادة لتفيد الخلق ممّا أنعم الله تعالى به عليها؛ والمراد بالحيرة في قولهم محلّها الحيرة الحيرة المقبولة، المشار إليها بقوله }ربّي زدني فيك تحيّرا{، لا الحيرة المذمومة الّتي تكون في أوّل السّلوك.

ومن شأن صاحب هذا المقام الوفاء بالوعد ووضع كلّ شيء موضعه، فينفق الكثير حتّى يُظنّ أنّه أسرف، ويبخل بالقليل حتّى يُظنّ أنّه بخيل أبخل من كلّ بخيل.

ثمّ أشار إلى الاسم الّذي يشتغل بذكره صاحب هذا المقام، فقال

 

﴿ تذكر إسمه قيوم*يذهب عن قلبك النوم*تفيض عنك العلوم*علوم إلاهيا

 

يعني أنّ السّالك يتعيّن عليه في هذا المقام الاشتغال بذكر الاسم السّادس وهو ٱسمه سبحانه وتعالى قَيُّوم، بالسّكينة والوقار، والجهر والإسرار، آناء اللّيل وأطراف النّهار.

قوله يذهب عن قلبك النّوم يريد أنّ صاحب هذا المقام لا يتلبّس بالغفلة على الدّوام، ويعلّمه الله تعالى ما لم يعلم، ويُفيض عليه العلوم اللّدنيّة والمعارف الإلهيّة.

قوله

﴿ وتميل إلى الخلق*لإرشادهم للحق*إلا من فيه سبق*قول الله مولايا

 

قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سرّه ]ومن صفات السّالك في هذا المقام[، يعني مقام النفس المرضيّة، ]الميل إلى الخلق لإرشادهم وإخراجهم من ظلومات طبائعهم وأنفسهم إلى أنوار أرواحهم[، وفي الحديث }أنّ أحبّ عباد الله إلى الله، المحببّون عباد الله إلى عباد الله، المحبّبون الله إلى عباده، الماشون في الأرض بالنّصيحة{.

وأشار بقوله إلاّ مَن فيه سبق إلخ إلى أنّ من صفات صاحب هذا المقام أن لا يرشد أحدا بوعظه ولا يذكّره بحديث أو آية من كلام الله تعالى أو حكمة إلاّ وينتفع بما سمعه منه، إلاّ مَن حقّ عليه القول وسبق في علمه تعالى شقاؤه فإنّه لا ينتفع بإرشاده، وهذا الميل الّذي يتّصف به صاحب هذا المقام ليس كالميل الّذي في النفس الأمّارة لأنّه مذموم.

 

قوله

﴿ تتجلى لك الأفعال*مقامات أهل الكمال*تفنى عن سوء الخصال*مقام الخلافيا

 

يعني أنّ صاحب النّفس المرضيّة مقامه مقام تجلّيات الأفعال وهو مقام أهل الكمال، وأشار بقوله تفنى عن سوء الخصال إلى أنّ صاحب هذا المقام جميع شؤونه في الحالة الوسطى، وهي بين الإفراط والتّفريط، فمرجع كلّ خصلة سيّئة إليهما، فالإفراط مذموم والتّفريط مثله بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم }خير الأمور أوسطها{، قال سيّدي مصطفى البكريّ ]وهذه الحالة لا يقدر عليها إلاّ مَن كان في هذا المقام، وهي خفيفة على اللّسان ثقيلة عند الامتحان، وكلّ أحد يحبّ هذه الخصلة ويحبّ أن يتّصف بها، إلاّ أنّها صعبة لا يقدر عليها كلّ أحد[.

وقوله مقام الخلافيا يعني أنّ السّالك في أوّل هذا المقام تلوح له بشائر الخلافة الكبرى، وفي آخره تخلع عليه خلعتها، وهي خلعة }كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به ويده الّتي يبطش بها ورجله الّتي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي{، وهذه نتيجة قرب النّوافل؛ وتحقيق هذا المقام أنّ السالك إذا وصل إلى مقام الفناء تنمحي صفاته الذّميمة البشريّة الّتي هي محلّ الانفعال والشّقاوة، وذلك بسبب تقرّبه إلى الله تعالى بالنّوافل والرّياضات ومجاهدة النّفس الجهاد الأكبر، وقد جرت عادة الله تعالى أنّه يهبه كرما منه صفات مناقضة لتلك الصّفات، وهذا هو حقّ اليقين، وهذه المعاني لا تُدرك إلاّ بتأييد إلهيّ، لأنّ الفناء ليس له في الخارج نظير حتّى يُقاس عليه ويُمثّل به، وكذلك البقاء بالله، وكذلك قرب النّوافل وقرب الفرائض.

 

الـنّـفـس الـكـامـلـة

قوله

﴿ ترجع نفسك كاملة*للفضائل شاملة*عن سواه خاملة*تطلب رضا مولايا

 

يعني إذا اشتغلت بذكر الاسم السّادس وهو قيّوم، مستغرقا أوقاتك به، قائما أو قاعدا أو على جنبك، ولازمت تلاوته كمّا مر في ذكر الأسماء السّابقة، صارت حسنات الأبرار سيّئاتك، فلا تزال مؤدّبا بآداب الشّريعة والطّريقة والحقيقة لا يشغلك بعضها عن بعض إلى أن تنتقل إلى المقام السّابع، طالبا التّحقّق بالصّورة الآدميّة الّتي كانت قِبْلة للملائكة، الّتي حقيقتها الحقيقة المحمّديّة، وهي سرّ الله الأعظم، وهذا غاية القرب من حضرة الرّبّ، وانتظمت نفسك في نوع النّفوس الكاملة، وهو النّوع السّابع، نهاية أنواع النّفوس، وحينئذ يتحقّق السّالك بالعبوديّة المحضة والعجز والذّل والفناء، ويعرف نفسه بهذا الوصف ويعرف ربّه بأوصاف الرّبوبيّة، لأنّه إذا عرف نفسه بالفقر والذّل والفناء عرف ربّه بالعزّ والبقاء والغنى، وذلك بسبب مقابلة مرآة العبوديّة لمرآة الرّبوبيّة، وهو معنى قوله تعالى }ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن{، ومتّى عرف ربّه، علم بالعلم الإلهي السّرّ المودع في حقائق الأشياء، المشار إليه بقوله تعالى ﴿وعلّم آدم الأسماء كلّها﴾.

وقوله للفضائل يتعلـّق بشاملة بعده، وهو صفة لكاملة، وكذلك ما بعده؛ ولعلّه أراد بالخمول الذّهول، والمعنى صارت نفسك كاملة شاملة للخيرات إذا علت عن المكوّنات طالبة رضا الله تعالى، ليس لها مطلب سوى رضوان الله سبحانه، حركاته حسنات وأنفاسه قدوة وحكمة وعبادة.

وجملة تطلب رضا مولايا في محلّ نصب تحتمل الحاليّة من المفعول والوصفيّة؛ وإلى بيان ٱسم هذه النّفس أشار بقوله ترجع نفسك كاملة.

وأمّا سيرها فبالله تعالى، وأمّا عالمها فكثرة في وحدة ووحدة في كثرة، وأمّا حالها فهو البقاء، وأمّا واردها فجميع ما ذكر من واردات النّفوس السّابقة، وأمّا صفاتها فجميع ما ذكر من الأوصاف الحسنة للنّفوس المتقدّمة، وأمّا مفتاحها فالاسم السّابع الّذي أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى بقوله

 

﴿ تذكر إسمه قهار*بالسر وبالإجهار*تفنى عن كل الأغيار*والأكوان الكليا

 

يعني أن الاسم الّذي يشتغل السّالك بتلاوته في هذا المقام هو ٱسمه عزّ وجلّ قَهَّار، وهو الاسم السّابع، قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سره ]وٱعلم أنّ ٱسمه تعالى القهّار من أسماء قطب المشايخ، ومنه يمدّ القطب المريدين الطّالبين بالأنوار والهدايات والبشارات، وقالوا أنّ كلّ ما حصل في قلوب المريدين من البسط والفرح والسّرور والجذبات الكائنة بغير سبب فهو من مدد القطب عوضا عن أذكارهم وتوجّهاتهم لربّهم[اهـ.

وقوله بالسّرّ والإجهار صلة تذكر، ونبّه بذلك على أنّ تلاوة هذا الاسم كتلاوة الأسماء السّابقة سواء.

وقوله تفنى عن كلّ الأغيار يريد رحمه الله تعالى أنّ السّالك في هذا المقام يستولي عليه سلطان الحقيقة حتّى لم يشهد من الأغيار لا ذاتا ولا صفة، بل يفنى عن الخلق ويبقى بالحقّ، وعطف الأكوان على الأغيار تفسيريّ، يعني أنّه يفنى عن المكوّنات بأسرها، علويّها وسفليّها،  جوهرها وعرضها.

 

قوله

﴿ تتجلى لك الصفات*والأسماء السنيات*تستغرق في العبادات*جوارح وقلبيا

 

يريد رحمه الله تعالى أنّ مقام صاحب النّفس الكاملة هو مقام تجلّيات الأسماء والصّفات، وقوله السّنيّات أصله السَّنِيّة أي المرتفعة، زاد فيه الألف للوزن، وهو صفة للأسماء.

وأشار بقوله تستغرق في العبادات إلخ إلى أنّ صاحب هذا المقام يكون مستغرقا في العبادات لا يفتر عنها بجوارحه الظّاهرة والباطنة، أعني إمّا بجميع بدنه أو بلسانه أو بيده أو برجله أو بقلبه، ويكون كثير الاستغفار، كثير التّواضع، سروره ورضاه في توجّه الخلق إلى الحقّ، وحزنه وغضبه في إدبارهم عن الحقّ، يحبّ طالب الحقّ أكثر من محبّة ولده من صلبه، ويكون كثير الأوجاع قليل القوى قليل الحركة، ليس في قلبه كراهة مخلوق من المخلوقات مع أنّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُظهر الكراهيّة لمستحقّيها ويظهر المحبّة لمَن هو أهل لها، لا تأخذه في الله لومة لائم،  يرضى في عين الغضب ويغضب في عين الرّضا، لكنّه يضع كلّ شيء في محلّه؛ وقوله جوارح معمول تستغرق، وقلبيّا معطوف عليه، وفي العبادات صلة تستغرق، بمعنى تستغرق في العبادات جوارحك وقلبك يا سالك.

 

قوله

﴿ تصر محل الشفا*لطيفتك الإخفا*تلبس وصف المصطفى*خلقا وخلقيا

 

يعني أنّ صاحب هذا المقام لمّا تحقّق بالصّورة الآدميّة، وعلّمه الله تعالى السّرّ المودع في حقائق الأشياء الكونيّة الّتي من جملتها علم أمراض القلوب وأدويتها، صار بذلك أهلا لتبيين أدوية تلك الأمراض والعلل الّتي بها يحصل الشّفاء بإذن الله تعالى وتوفيقه.

وأشار بقوله لطيفتك الإخفا إلى أنّ صاحب هذا المقام محلّ نفسه الكاملة لطيفة الإخفاء الّتي نسبتها إلى الخفاء كنسبة الرّوح إلى الجسد.

وقوله تلبس وصف المصطفى صلّى الله عليه وسلّم إلخ يعني أنّ صاحب هذا المقام يُحلّيه الله عزّ وجلّ بحِلية التّخلّق بأخلاق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويُفيض عليه من أنوار خلقه صلّى الله عليه وسلّم وحسنه بحيث يستحسنه كلّ مَن وقع بصره عليه بتحقّقه بالحقيقة المحمّديّة ولو كان ذميم المنظر.

وصاحب هذا المقام يخصّه الله تعالى بخواصّ منها ما مرّ، ومنها ما أفاده قوله

 

﴿ سمتك يا أواه*من رآه ذكر الله*مرادك مراد الله*في طيك كل الأشيا

 

لمّا كان هذا المقام هو أعظم المقامات، لأنّه كملت فيه سَلطنة الباطن وتمّت به المكابدة والمجاهدة، وَسَمَه الله بسمات حميدة لا توجد في غيره، منها أنّ كلّ مَن رآه من الخلق تلبّس بذكر الحقّ سبحانه وتعالى، قال سيّدي مصطفى البكريّ قدّس سره ]وكيف لا يكون ذلك وهو وليّ الله تعالى، بل كان وليّا وهو في المقام الرّابع، لأن المقام الرّابع مقام الأولياء العوامّ، والمقام الخامس مقام الأولياء الخواصّ، والمقام السّادس مقام خواصّ الخواصّ، فسبحان مَن لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع[اهـ؛ والأوّاه الرّحيم والموقي والرّفيق.

 ومنها ما أشار إليه بقوله مرادك مراد الله إلخ يريد أنّ صاحب هذا المقام ما وجّه همّته إلى كون من الأكوان إلاّ أوجده الله تعالى على وفق مراده، وذلك لأنّ مراده مراد الله تعالى، فإذا أراد شيئا وطلبه لا يخيّبه تعالى غالبا. وقوله في طيّك كلّ الأشياء يعني أنّ جميع صفات العالم العلويّ والسّفليّ مودعة فيك، ولذلك يُسمّى الإنسان بالعالم الأصغر لاشتماله على جميع ما أوجده الله في العالم الأكبر، كما بُيّن محلّه مفصّلا.

 

قوله

﴿ ألبست الخرقة في الحين*عن أيادي الصالحين*صرت من المرشدين*في ديوان الأوليا

 

يعني إذا وصلت إلى هذه المرتبة تأهّلت للباس الخرقة على يد أستاذك ومرشدك.

 وٱعـلـم، أنّ الأصل في لباس الخرقة ما رُوي ]أنّه صلّى الله عليه وسلّم ألبس عليّا رضي الله تعالى عنه العمامة وأرخى له طرفها[، كما أخرجه الطّبرانيّ في الكبير بسند حسن، ورُوي ]أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخرج له جبريل عليه السّلام صندوقا من الجنّة ففتحه فإذا فيه خرق حمر وسود، فقال صلّى الله عليه وسلّم }ما هذا يا جبريل{، فقال هذه خرق ستكون لخواصّ أمّتك[، وهي عند أهل الله تعالى أنّم يخلعون على من لبسها بإخلاص وكمال اعتقاد جميع الأخلاق المحمودة حين لبسها، وينتزعون منه حال أمرهم له بنزع قلنسوّته أو ثوبه أو غيره جميع الأخلاق المذمومة، وأمّا غير العارفين فيستعملونها على سبيل التّبرّك والتّشبّه بالقوم، وفي الحديث }يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا ومن تشبّه بقوم فهو منهم{.

والمرشدون جمع مرشد، وهو الدّال على الله تعالى بقوله وفعله وحاله لا بأحدها؛ والدّيوان بكسر الدّال وفتحها جريدة الحساب والكتاب يكتب فيه أهل العَطيّة، وأوّل مَن وضعه سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه، والمراد به كتاب يكتب فيه أهل الخير حسّيّ أو معنويّ؛ والأولياء بالمدّ، قصَره هنا للوزن، جمع وليّ فعيل بمعنى فاعل، النّاصر والمحبّ والقائم بأمر مِن وَلِيَه، قال تعالى ﴿الله وليّ الّذين آمنوا﴾، قال ٱبن فارس ]كلّ مَن ولي أمر أحد فهو وليّه لغة، وأمّا في العُرف فهو فعيل بمعنى فاعل، مَن توالت طاعته من غير تخلّل عصيان، أو بمعنى مفعول مَن يتوالى عليه إحسان الله تعالى وأفضاله[.

 

قوله

﴿ دخلت حضرة القدس*بين الهيبة والأنس*فارقت هوى النفس*أنت من الأصفيا

 

يعني أنّ السّالك إذا مزّق حجب المقام السّابع الّذي هو أرفع المقامات، صار من أهل الإرشاد، وفني عن جميع الرّعونات النّفسيّة، وانتظم حينئذ في سلك العارفين الأصفياء، وأصله بالمدّ، والقصر للوزن، وهو جمع صفيّ فعيل بمعنى فاعل أي خالص من كلّ كدر، أو بمعنى مفعول أي مختار، ودخل حضرة القدس وهي إحدى الحضرات الإلهيّة الخمسة، وحضرة القدس عندهم هي دائرة القدس والكمال، إذا وصل السّالك إليها سُمّي عارفا وواصلا، وقد تقدّم الكلام عليها في صدر هذا التّعليق؛ والظرف من قوله بين الهَيْبَة والأُنس حال من فاعل دخلت، والهيبة عندهم عبارة عن أثر مشاهدة جلال الله تعالى في القلب، وقد تكون عن الجمال الّذي جماله الجلال، والأُنس بالضّم عبارة عن أثر مشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب، وهو جمال الجلال، والهيبة والأنس حالتان فوق القبض والبسط، كما أنّ القبض والبسط فوق الخوف والرّجاء، فالهيبة مقتضاها الغَيْبة، والأنس مقتضاه الصّحو والإفاقة.

 تـنـبـيـه، اللّطائف السّبع الّتي ذكرها المصنّف رحمه الله تعالى في مقامات النّفوس السّبعة مركّبها النّفس الشّهوانيّة، وهي البخار اللّطيف المنبعث من تجويف القلب الجسمانيّ الصّنوبريّ، وينتشر بواسطة العروق الضّوارب إلى سائر أجزاء البدن، وهو الحامل للحياة والحسّ والحركة الإراديّة، وتُسمّى عند الحكماء بالرّوح الحيوانيّ؛ وأمّا اللّطائف السّبع

فأوّلها النّفس النّاطقة المُسمّاة بالأسماء السّبعة المتقدّمة، وحقيقتها عند السّلف يعلمها الله تعالى، وعند غيرهم الجوهر المجرّد عن المادّة في ذاته، المقارن لها في أفعاله.

وثانيها القلب وهو لطيفة ربّانيّة لها تعلّق بالقلب الجسمانيّ الصّنوبريّ الشّكل المودع في الجانب الأيسر من الصّدر.

وثالثها الرّوح الإنسانيّ وهو لطيفة إلهيّة نورانيّة، مظهر الذّات الإلهية من حيث ربوبيّتها، ولذلك لا يمكن أن يحوم حولها حائم ولا يروم وصلها رائم، ويُسمّيها الحكيم بالعقل الأوّل، ولها أسماء عديدة معروفة عندهم.

ورابعها السّرّ وهو عندهم لطيفة إنسانيّة مودعة في القلب كالرّوح في البدن، وهو ألطف من الرّوح ومحلّ المشاهدة كما مرّ.

وخامسها سرّ السّرّ وحقيقته حقيقة السّرّ إلاّ أنّه ألطف منه، ورسموه بأنّه اللّطيفة المذكورة الّتي لا إطّلاع عليها لغير الحقّ عزّ وجلّ، والسّرّ مالك عليها إطّلاعا وإشرافا.

وسادسها الخفاء وهو لطيفة ربّانيّة مودعة في الرّوح بالقوّة، فلا تحصل بالفعل إلاّ بعد ورود الواردات الرّبّانيّة لتكون واسطة بين الحضرة والرّوح في قبول تجلّي صفات الرّبوبيّة وإفاضة الفيض الإلهيّ على الرّوح.

وسابعها الإخفاء وحقيقته حقيقة الخفاء إلاّ أنه ألطف بدرجة، والفرق بينهما أنّ الخفاء له علامة يُهتدى إليه بها والإخفاء ليس له علامة يُهتدى إليه من جهتها، ولذلك قالوا ]معارفنا بكر لم يفتضّها فكر[.

وتقريب ذلك أنّ هذا الأمر الواحد الرّبانيّ حال كونه في غاية اللّطافة والخفاء يُسمّى بالإخفاء، وحال تنزّله درجة واحدة وتكاثفه يُسمّى بالخفاء، وحال تنزّله درجة ثانية وتكاثفه تكاثفا أقوى من الأوّل يُسمّى بسرّ السّرّ، وحال تنزّله درجة ثالثة وتكاثفه أكثر ممّا قبله يُسمّى بالسّرّ، وحال تنزّله درجة رابعة وتكاثفه أكثر ممّا قبله يُسمّى بالرّوح، وحال تنزّله درجة خامسة وتكاثفه أكثر ممّا قبله يُسمّى بالقلب، وحال تنزّله درجة سادسة وتكاثفه أكثر ممّا قبله يُسمّى بالنّفس النّاطقة؛ إذا علمت هذا عرفت أنّ هذا الأمر الرّبّاني واحد بالذّات متعدّد بالصّفات، وما وراء هذا يضيق عنه نطاق الكلام، وقد كشفنا لك بعض ما رمزوه، وفتحنا لك بعض ما أغلقوه، لتدخل من الباب وتتنعّم في رياض منازل الأحباب، فإنّك لا تجده سهل التّناول في كتاب.

ثمّ قال

﴿ هذا تدريج الأسما*ذكره العلما*أهل الجناب الأحمى*سادتنا الصوفيا

 

الإشارة راجعة لما قدّمه رحمه الله تعالى، والمشار إليه النّفوس أو مدلولاتها أو غير ذلك، حرّره السّيّد الجرجانيّ رحمه الله تعالى؛ وأراد بتدريج الأسماء كيفيّة التّنقّل في الأطوار علي سبيل التّقريب والاختصار، فمَن لازم الأذكار انكشفت له عن المغيّبات أستار، وللقوم في ذلك طرق وأسهلها هذه.

وأراد بالعلماء العارفين بالله تعالى وبالنّفوس وعللها لا مطلقا، لحديث }مَن عرف نفسه عرف ربّه{؛ وقوله أهل الجناب الأحمى صفة للعلماء، والأحمى الّذي لا يحوم حوله ولا يجترئ عليه غيرهم.

وسادتنا بدل من العلماء؛ والصّوفيّة لقب للجماعة التّاركين كلّ حظّ للنّفس، قال الإمام القشيريّ رحمه الله تعالى ]هذه التّسمية غلبت على هذه الطائفة، فيقال للواحد صُوفيّ وللجماعة الصُّوفيّة، ومَن يتشبّه بهم متصوّف وللجماعة المتصوّفة، وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربيّة قياس ولا استقراء وإلاّ ظهر فيه أنّه كاللّقب، فأمّا مَن قال أنّه من الصّوف فيقال متصوّف لمَن لبس الصّوف كما يقال متقمّص لمَن لبس القميص فلذلك وجه، ولكنّ القوم لم يختصّوا بلبس الصّوف، ومَن قال أنّهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فالنّسبة إلى الصّفة لا تجيء على نحو الصّوفيّ، ومَن قال أنّه من الصّفاء فالنّسبة لا تجيء أيضا، فاشتقاقه من الصّفاء بعيد في مقتضى اللّغة، وقول مَن قال أنّه مشتقّ من الصّف فكأنّهم في الصّف الأوّل بقلوبهم من حيث المحاضرة مع الله تعالى فالمعنى صحيح ولكن اللّغة تأباه، ثمّ إنّ هذه الطّائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ واستحقاق واشتقاق[، وقال محي الدّين بن عربيّ ]التّصوّف الوقوف مع الآداب الشّرعيّة ظاهرا وباطنا[، وقال الشّاذليّ ]التّصوّف تدريب النّفس على العبوديّة وردّها إلى أحكام الرّبوبيّة[؛ وقد تقدّم طرف من هذا النّمط.